مقالات خاصة

إلى لبنان وإيران وشعوب المنطقة: افهموا منطق نتنياهو…وردّوا عليه بالحذر وضبط الخطاب

كتب سعيد فارس السعيد 

نتنياهو: 

【 ..عندما كنت طفلاً، كنا غالباً ما نتشاجر مع أطفال آخرين في الحي

«واكتشفت قانوناً بسيطاً جداً: من يهاجم أولاً، يحصل على ميزة كبيرة. يجب أن تذهب نحو شخص يريد مهاجمتك، وأن تضربه أولاً».】

 

___رسالة إلى شعوب المنطقة:

 حين يصبح الشك منطلقًا للمواجهة

إلى الشعب اللبناني، والشعب الإيراني، وإلى جميع شعوب الشرق التي أنهكتها الحروب والصراعات، ثمة كلام منسوب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستحق التوقف عنده طويلًا، ليس لمجرد ما يتضمنه من استحضار لتجربة طفولة، بل لما يمكن أن يكشفه من تصور للعلاقة مع الآخر، إذا تحوّل الشك إلى قاعدة في التفكير، والمبادرة إلى الضرب إلى وسيلة لاكتساب الأفضلية.

إن معرفة هذا المنطق ليست دعوة إلى الخوف، ولا إلى التراجع عن الحقوق، بل ضرورة لفهم طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، والتعامل معها بوعي سياسي واستراتيجي، بعيدًا عن الانفعالات وردود الفعل غير المحسوبة.

فحين يقول قائد سياسي إن من يهاجم أولًا يمتلك ميزة كبيرة، ثم يربط ذلك بضرورة التوجه نحو من يُعتقد أنه يريد مهاجمتك وضربه أولًا، يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن التمييز بين التهديد الحقيقي والاشتباه؟ ومن يملك حق تحويل التوقعات والمخاوف إلى مبررات لاستخدام القوة؟

إن الفارق كبير بين الاستعداد للدفاع عن النفس، وبين بناء المواقف على افتراضات قد لا تكون مثبتة. فالأول مسؤولية وطنية، أما الثاني فقد يفتح الباب أمام تصعيد لا تستطيع الأطراف السيطرة على نتائجه.

إلى لبنان وإيران: افهموا المنطق ولا تمنحوه ذرائع

إن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى اللبنانيين والإيرانيين، وإلى جميع شعوب المنطقة، هي أن فهم طريقة تفكير الخصم المحتمل شرط من شروط التعامل الحكيم معه.

فإذا كانت القيادة الإسرائيلية تنطلق، في بعض مواقفها المعلنة، من اعتبارات أمنية واستباقية، فإن الرد المسؤول لا يكون بالاندفاع إلى خطاب تصعيدي، ولا بإطلاق مواقف غير محسوبة، ولا بتحويل كل تهديد إلى مواجهة كلامية مفتوحة.

بل يكون بقراءة دقيقة للوقائع، والتحقق من المعلومات، وتقدير المواقف والنتائج، والتمييز بين ما هو تهديد فعلي وما هو تحليل أو توقع أو خطاب سياسي.

إن ضبط الخطاب السياسي والإعلامي لا يعني الصمت عن الاعتداءات، ولا التنازل عن السيادة والحقوق، ولا التخلي عن حق الدفاع المشروع. بل يعني التعبير عن المواقف بوضوح ومسؤولية، وتجنب العبارات التي قد تُنتزع من سياقها أو تُستخدم لتبرير التصعيد، والامتناع عن إطلاق تهديدات لا تخدم المصلحة الوطنية.

وفي منطقة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية والدولية، قد تتحول كلمة غير محسوبة إلى مادة للتعبئة أو التصعيد، وقد يؤدي سوء تقدير موقف إلى نتائج تتجاوز بكثير ما قصده أصحابه.

لذلك، فإن الحكمة تقتضي أن تكون المواقف مدروسة، والرسائل واضحة، والقرارات مبنية على معلومات موثوقة، وأن يبقى الهدف حماية الشعوب والدول، لا الدخول في سباق مفتوح من التهديدات المتبادلة.

الشك لا يصنع سلامًا… وقد يتحول إلى دائرة من المواجهات

إن أخطر ما في منطق الضربة الأولى هو احتمال تحوّل الشك إلى مبرر دائم للتحرك العسكري. فعندما يعتقد طرف أن الآخر ينوي مهاجمته، فيبادر إلى ضربه، يصبح من الطبيعي أن يفسر الطرف المستهدف ذلك باعتباره دليلًا على عدائية نوايا خصمه، فيستعد للرد أو الانتقام.

وهكذا، قد يبدأ الصراع بتوقعات ومخاوف، ثم يتحول إلى وقائع دامية تعزز الشكوك التي سبقته.

لكن هل تستطيع الشعوب أن تعيش في ظل هذه المعادلة إلى الأبد؟ وهل يمكن بناء أمن مستدام على قاعدة أن كل طرف ينبغي أن يضرب أولًا قبل أن يتعرض للضرب؟

إن الأمن الحقيقي لا يقوم على الشك وحده، بل على معلومات موثوقة، وردع مسؤول، وقنوات اتصال تمنع سوء التقدير، وقواعد واضحة تحكم استخدام القوة، ودبلوماسية قادرة على احتواء الأزمات قبل انفجارها.

ولا يعني ذلك افتراض أن جميع المخاطر وهمية، أو أن كل التهديدات متساوية، بل يعني أن التعامل معها يجب أن يستند إلى الأدلة والوقائع، لا إلى التوقعات وحدها.

إلى لبنان تحديدًا: حماية الوطن تبدأ من الحكمة

لبنان، بتاريخه وتنوعه وموقعه، لا يحتمل مغامرات غير محسوبة ولا تصعيدًا يضع شعبه أمام أثمان جديدة من الدمار والتهجير والانهيار الاقتصادي.

ومن حق اللبنانيين أن يطالبوا بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وحماية المدنيين، وعودة المهجرين والنازحين إلى قراهم ومنازلهم، وصون السيادة الوطنية.

لكن حماية هذه الحقوق تحتاج إلى خطاب سياسي وإعلامي مسؤول، وإلى وحدة وطنية تحصّن البلاد، وإلى تقدير دقيق للمخاطر، وإلى حوار وطني جاد حول استراتيجية دفاعية تحمي لبنان، وتعزز دور الدولة ومؤسساتها الدستورية، وتضع مصلحة اللبنانيين فوق حسابات المحاور والصراعات الإقليمية.

إن قوة الموقف اللبناني لا تُقاس بارتفاع نبرة الخطاب، بل بقدرته على حماية الناس، وتوحيد الموقف الوطني، وتثبيت الحقوق، ومنع استدراج البلاد إلى مواجهات لا يملك اللبنانيون وحدهم تحديد نهاياتها.

والحذر هنا ليس ضعفًا، وضبط الخطاب ليس تراجعًا؛ بل هما من مقتضيات المسؤولية الوطنية حين تكون حياة الناس ومستقبل الوطن على المحك.

وإلى إيران: الحكمة الاستراتيجية أقوى من الانفعال

أما إيران، بما تملكه من وزن إقليمي وقدرات سياسية وعسكرية، فإن مسؤوليتها تقتضي التعامل مع التحديات بمنهج يجمع بين حماية السيادة، والحفاظ على المصالح الوطنية، وتجنب التصعيد غير الضروري، وفتح المسارات الدبلوماسية التي تقلل احتمالات الحرب.

إن الرد على السياسات الإسرائيلية لا ينبغي أن يُختزل في منافسة على حدة التصريحات أو في تبادل التهديدات. فالأهم هو وضوح الأهداف، ودقة التقدير، وحساب العواقب، وحماية الشعب الإيراني من كلفة مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود الدولة وتطال استقرار المنطقة بأسرها.

كما أن التواصل الدبلوماسي، والرسائل المحسوبة، والالتزام بالقانون الدولي، والاستعداد للحلول السياسية المتوازنة، أدوات مهمة في منع سوء التقدير وتقليص فرص الانزلاق إلى الحرب.

إن من الحكمة أن تعرف إيران، كما يعرف لبنان وسائر دول المنطقة، كيف يفكر الطرف المقابل، وأن تدرس تصريحاته وسياساته وأفعاله ضمن سياقها، من دون أن تسمح للشكوك أو الاستفزازات بأن تتحكم بقراراتها.

فالغاية ليست تسجيل موقف إعلامي عابر، بل حماية المصالح الوطنية ومنع تحول التوتر إلى مواجهة يدفع ثمنها المواطنون قبل غيرهم.

لا تمنحوا الشك فرصة لقيادة المنطقة

إلى شعوب المنطقة وقادتها وإعلامييها، إن المطلوب اليوم ليس تجاهل الكلام المنسوب إلى نتنياهو، ولا تضخيمه بما يتجاوز دلالته، بل قراءته بوعي، وفهم ما يطرحه من أسئلة حول العلاقة بين الشك والقوة والقرار السياسي.

إذا كان هذا المنطق حاضرًا في التفكير السياسي، فإن مواجهته تبدأ بإدراكه، والتحقق من الوقائع، وتجنب ردود الفعل المتسرعة، وتعزيز الجبهات الداخلية، وحماية المجتمعات من الانقسام، وبناء مواقف سياسية وإعلامية لا تمنح الآخرين ذرائع مجانية للتصعيد.

ولا ينبغي أن يتحول الحذر إلى استسلام، كما لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن الحقوق إلى اندفاع غير محسوب. فبين هذين الحدين تقع مسؤولية القيادة الحكيمة: موقف واضح في الحقوق والسيادة، وهدوء في الخطاب، ودقة في التقدير، واستعداد مسؤول للدفاع، وانفتاح جاد على الحلول السياسية.

إن شعوب لبنان وإيران وسائر دول المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الحروب كي تثبت تمسكها بكرامتها، بل تحتاج إلى سياسات تحمي هذه الكرامة وتحفظ الحياة والمستقبل.

الخاتمة: واجهوا منطق الشك بالحكمة، لا بالاندفاع

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى نتنياهو وإلى جميع قادة المنطقة هي أن الأمن لا يمكن أن يستقر إذا أصبح كل طرف أسيرًا للشك في نوايا الآخر، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها بناء الثقة أو إنهاء أسباب الصراع.

وإلى لبنان وإيران وشعوب الشرق أقول: اعرفوا كيف يفكر الآخر، وراقبوا أفعاله، وتحققوا من أقواله، واحسبوا خطواتكم بدقة. لا تمنحوا الاستفزاز فرصة للتحكم بقراراتكم، ولا تجعلوا الانفعال السياسي والإعلامي بديلًا عن الرؤية الاستراتيجية.

كونوا حازمين في حماية الحقوق، ثابتين في الدفاع عن السيادة، دقيقين في قراءة المخاطر، ومنضبطين في الخطاب، ومنفتحين على كل طريق يحمي الشعوب من الحرب ويمنع تكرار المآسي.

فليس المطلوب أن نثق بلا دليل، ولا أن نتنازل عن حقوقنا، بل أن نرفض أن يقودنا الشك إلى حرب جديدة، وأن نمنع منطق الضربة الأولى من التحول إلى قدر مفروض على شعوب الشرق.

إن الحكمة ليست في أن تضرب أولًا، بل في أن تفهم جيدًا، وتقدّر بدقة، وتحمي وطنك، وتمنع خصمك من جرّك إلى معركة تخسر فيها الشعوب مستقبلها قبل أن تُحسم نتائجها.

 

سعيد فارس السعيد كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

19 تشرين الأول/أكتوبر 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي