مقالات خاصة

العلامة الشيخ علي الخطيب. رجل فكر ورؤية في زمن الصراعات والتحوّلات.

 

 

من قراءة الصراع التاريخي إلى معادلات القوة والنفوذ… 

 

كتب/ سعيد فارس السعيد:

 

في زمن تتشابك فيه الصراعات الإقليمية والدولية، وتتداخل فيه المصالح السياسية والاقتصادية مع الأبعاد الحضارية والثقافية، تبرز أهمية الخطاب الذي يتجاوز قراءة الأحداث اليومية إلى فهم جذور الصراع، وطبيعة القوى المتواجهة، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والنتائج التي يمكن أن تتركها في مستقبل المنطقة وشعوبها.

وفي هذا السياق، تستحق مواقف سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، التوقف عندها وإلقاء الضوء على مضامينها، ولا سيما ما طرحه في ندوة مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي حول تاريخ الصراع مع الغرب وأعوانه في المنطقة، وانتقال المواجهة من مرحلة الوكيل إلى مرحلة الأصيل، وما يرتبط بذلك من تحولات في موازين القوى والنفوذ، ومن أبعاد حضارية وثقافية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية.

 

إن أهمية هذه الرؤية تكمن في أنها تضع الأحداث الراهنة ضمن سياق تاريخي واستراتيجي أوسع، وتدعو إلى فهم طبيعة الصراع وأسبابه، وإدراك دور الوعي والإرادة والتمسك بالحقوق في تشكيل مستقبل الشعوب، بعيداً عن الاستسلام لميزان القوة وحده أو الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي يحسم بالضرورة نتائج التاريخ.

 

__الصراع مع الغرب… قراءة في الجذور التاريخية.

 

في مداخلته خلال ندوة مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، تناول سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب الصراع مع الغرب وأعوانه في المنطقة باعتباره صراعاً تاريخياً، تعود جذوره، وفق رؤيته، إلى بدايات الإسلام، ولا يمكن فهم مراحله المعاصرة بمعزل عن مساره الطويل وما رافقه من تحولات سياسية وفكرية وحضارية.

 

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من أنها تربط الحاضر بالماضي، وتضع المواجهات الراهنة ضمن سلسلة من الأحداث والتجارب التي أسهمت في تشكيل العلاقة بين العالم العربي والإسلامي والقوى الغربية.

 

 فالصراع، في هذا المنظور، لا يتعلق بحدث عابر أو مواجهة محدودة، بل يرتبط بتاريخ طويل من التنافس على الأرض والنفوذ ومصادر القوة وموقع المنطقة في المعادلات الدولية.

 

وقد أشار سماحته إلى أن فهم طبيعة المواجهة يقتضي إدراك أنها ليست منفصلة عن الصراعات التي تخوضها القوى الكبرى في العالم، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا، حيث تتنافس الدول على امتلاك عناصر القوة والتأثير وحماية مصالحها الاستراتيجية.

 

ومن هنا، فإن قراءة ما يجري في منطقتنا تحتاج إلى النظر في موقعها الجغرافي، وثرواتها، وأهميتها السياسية والاقتصادية، وما تمثله من مجال حيوي تتقاطع فيه المصالح الدولية والإقليمية.

 

إن هذه الرؤية تضع أمامنا حقيقة أساسية، هي أن فهم الصراع يبدأ من معرفة طبيعته وأهدافه، وإدراك أن الأحداث العسكرية والسياسية كثيراً ما تكون جزءاً من معادلات أوسع تتعلق بمستقبل المنطقة ومكانتها وقدرتها على امتلاك قرارها.

 

___من الوكيل إلى الأصيل… 

دلالة التحول في المواجهة.

 

من أبرز ما طرحه سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب في الندوة قوله إن الحرب يخوضها «الأصيل بعدما فشل الوكيل»، وهي عبارة تختصر جانباً أساسياً من قراءته للتحولات التي شهدتها المواجهة في المنطقة.

 

فبحسب هذه الرؤية، اعتمدت القوى الغربية، خلال مراحل طويلة، على أطراف محلية وإقليمية تتولى أدواراً في حماية مصالحها وتثبيت نفوذها. 

 

ومع تغير الظروف وتبدل موازين القوى، انتقلت المواجهة، وفق قراءة سماحته، إلى مرحلة التدخل المباشر من جانب القوى التي كانت تعتمد سابقاً على تلك الأطراف.

 

وتحمل هذه الفكرة دلالة استراتيجية مهمة، لأنها تربط شكل التدخل بطبيعة النتائج التي تحققها القوى المنخرطة في الصراع، وبقدرة الأطراف المحلية على الاستمرار في أداء الأدوار التي أُنيطت بها. 

 

كما تضيء على التحول من إدارة الصراع بصورة غير مباشرة إلى الانخراط المباشر فيه، بما يعكس، في قراءة الخطيب، أهمية المرحلة التي تمر بها المنطقة.

 

ويضع هذا الطرح المواجهة الراهنة في إطار أوسع من حدود المعارك الميدانية، باعتبارها جزءاً من صراع على النفوذ والقرار والاستقلال، وعلى قدرة شعوب المنطقة على حماية قضاياها ومصالحها.

 

وفي هذا السياق، يستحضر سماحته محطات مفصلية، من بينها تحرير جنوب لبنان عام 2000، وحرب عام 2006، بوصفهما محطتين تركتا أثرهما في حسابات القوى المتواجهة وفي نظرتها إلى إمكانات المقاومة وموازين القوة في المنطقة.

 

وتبرز في هذا الطرح أهمية العامل المعنوي والإرادة الشعبية إلى جانب الإمكانات المادية والعسكرية؛ فالتاريخ، كما تعكسه هذه القراءة، لا تصنعه الأسلحة والتكنولوجيا وحدهما، بل تسهم في تشكيله أيضاً إرادة الشعوب، وتمسكها بقضاياها، وقدرتها على الصمود وتغيير المعادلات.

 

___المعركة الحضارية… الوعي والثقافة وعناصر القوة.

 

لم يقتصر حديث العلامة الخطيب على البعد السياسي والعسكري للصراع، بل تناول أيضاً البعد الحضاري والثقافي، مشيراً إلى أثر التفاوت العلمي والحضاري في تشكيل علاقة العرب والمسلمين بالغرب، وإلى ما رافق ذلك من انبهار بالتقدم الغربي في ظل حالات التخلف التي شهدتها المنطقة.

 

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية ما أشار إليه سماحته بشأن دور المؤسسات والمدارس الفكرية الإسلامية، ومنها النجف والزيتونة، في التعامل مع هذه التحولات، والحفاظ على الهوية الفكرية والدينية، ومواجهة آثار التبعية الثقافية.

 

وتكشف هذه الفكرة عن جانب أساسي من رؤيته، يتمثل في أن الصراع لا يدور على الأرض والمصالح والثروات فحسب، بل يمتد إلى الوعي والهوية والثقافة، وإلى قدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة وتطوير العلوم وامتلاك أدوات التقدم.

 

فالقوة الحضارية لا تُختزل في امتلاك السلاح أو التفوق الاقتصادي، وإنما تقوم أيضاً على بناء الإنسان، وتطوير التعليم، وتشجيع البحث العلمي، وتعزيز الثقة بالقدرات الذاتية، وتكوين وعي قادر على فهم العالم والتعامل مع تحولاته.

 

ومن هنا، فإن استعادة الدور الحضاري للعالم العربي والإسلامي ترتبط بقدرته على النهوض العلمي والثقافي، وتطوير مؤسساته، والاستفادة من تجارب الآخرين، مع الحفاظ على هويته وخصوصيته واستقلال قراره.

 

إن الوعي الذي يطرحه هذا المنظور ليس مجرد موقف عاطفي من الماضي، بل هو دعوة إلى فهم التاريخ واستيعاب دروسه، والعمل على بناء عناصر القوة التي تمكّن المجتمعات من المشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل.

 

____من تحرير عام 2000 إلى حرب 2006… محطات في الذاكرة الاستراتيجية.

 

استحضر سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب تجربتي تحرير جنوب لبنان عام 2000 وحرب عام 2006، في سياق قراءته لتطور المواجهة وتبدل موازين القوة.

وتحتل هاتان المحطتان مكانة بارزة في الذاكرة اللبنانية والعربية، لما حملتاه من دلالات سياسية وعسكرية ومعنوية، ولما تركتاه من أثر في النقاش حول قدرة المقاومة على مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي، ودور الإرادة والصمود في تغيير الحسابات.

وفي قراءة الخطيب، شكّلت هذه المحطات إنذاراً للقوى الغربية وأعوانها في المنطقة، وأسهمت في إعادة تشكيل طريقة تعاملهم مع تطورات المواجهة. ومن هذا المنطلق، يربط سماحته بين التجارب السابقة وما تشهده المنطقة اليوم، معتبراً أن فهم المرحلة الراهنة يحتاج إلى استحضار مسار الصراع وتراكماته، لا إلى النظر إلى كل مواجهة بوصفها حدثاً منفصلاً عن غيره.

وتبرز هنا أهمية الذاكرة التاريخية في تشكيل الوعي السياسي والاستراتيجي؛

 

 فالتجارب السابقة لا تبقى مجرد وقائع من الماضي، بل تتحول إلى عناصر مؤثرة في تقدير الإمكانات، وصناعة المواقف، وتحديد الخيارات المستقبلية.

كما يعكس هذا الطرح أهمية العامل المعنوي في حياة المجتمعات، ودور الثقة بالقدرة على الصمود في مواجهة الشعور بالعجز أو الاستسلام أمام التفوق المادي للطرف الآخر.

 

____الحق والإرادة… لماذا لا تعني موازين القوة نهاية الصراع؟

 

أكد سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، في سياق حديثه عن المواجهة الراهنة، أن ما تشهده المنطقة لا يعني، وفق رؤيته، هزيمة نهائية للعالم العربي والإسلامي، بل يمثل مرحلة من التحولات التي يمكن أن تتبدل خلالها موازين القوة والنفوذ.

وترتكز هذه الرؤية على أن امتلاك الطرف الآخر تفوقاً عسكرياً أو تكنولوجياً لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على حسم الصراع سياسياً وتاريخياً. 

 

فهناك عوامل أخرى تؤثر في النتائج، منها الإرادة، والقدرة على الصمود، والتمسك بالقضايا، والتغيرات التي تطرأ على موازين القوى الدولية.

 

__وفي هذا السياق، يبرز إيمان سماحته بأن الحق يظل عاملاً أساسياً في مسار الصراعات، وأن ما تتعرض له الشعوب من آلام وخسائر لا يلغي حقها في الدفاع عن قضاياها أو قدرتها على التأثير في مستقبلها.

 

وتحمل هذه الرؤية رسالة معنوية وسياسية إلى المجتمعات التي تواجه الحروب والضغوط، مفادها أن قراءة الواقع لا ينبغي أن تتوقف عند مقارنة الأسلحة والإمكانات، بل يجب أن تشمل الإرادة الشعبية، والوعي، والقدرة على التنظيم، والتمسك بالحقوق، والعمل على امتلاك أسباب القوة.

 

__كما تضع هذه الفكرة مسؤولية كبيرة أمام المجتمعات العربية والإسلامية في مجال العلم والمعرفة والتنمية، لأن بناء القوة المستدامة لا يتحقق بالخطاب وحده، وإنما يحتاج إلى مؤسسات فاعلة، واقتصاد منتج، وتعليم متقدم، وقدرات علمية وتقنية، ووحدة اجتماعية تحمي المجتمعات من التفكك والانقسام.

 

___فلسطين ولبنان والمنطقة… قضايا مترابطة في رؤية الصراع.

 

تتصل قراءة العلامة الخطيب بطبيعة المواجهة في المنطقة، وبالموقع الذي تحتله قضايا فلسطين ولبنان وسائر شعوب المنطقة في معادلات الصراع.

ففي هذا المنظور، لا تنفصل القضية الفلسطينية عن واقع المنطقة السياسي والاستراتيجي، كما لا يمكن النظر إلى لبنان بمعزل عن التحولات التي تجري حوله. وتبقى قضايا الأرض والحقوق والسيادة والكرامة من المحاور الأساسية التي تحضر في فهم طبيعة المواجهة وأهدافها.

 

وتعكس هذه الرؤية ترابط الملفات الإقليمية، وتأثير التطورات في ساحة على حسابات الساحات الأخرى، وما تفرضه التحولات الدولية من إعادة تقييم للمواقف والتحالفات وأدوات التأثير.

 

ومن هنا، فإن أهمية لبنان لا تنبع من موقعه الجغرافي وحده، بل أيضاً من حضوره في تاريخ الصراع في المنطقة، ومن تجربته في مواجهة الاحتلال، ومن خصوصيته الوطنية القائمة على التنوع والشراكة بين مكوناته.

 

إن الحفاظ على لبنان وصون وحدته واستقراره يظل مسؤولية وطنية جامعة، كما أن الدفاع عن حقوق الشعوب وكرامتها يحتاج إلى رؤية تجمع بين فهم التحولات، وحماية المجتمع، وتعزيز عناصر القوة، وصون السيادة.

 

___السيادة والشرعية الدولية… حماية لبنان وصون حقوقه.

 

ومن المواقف التي تناولها سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب في الندوة موقفه من وجود أي قوة دولية في جنوب لبنان من دون غطاء من الأمم المتحدة.

 

ويعكس هذا الموقف تأكيد أهمية السيادة اللبنانية، وضرورة أن يكون أي حضور دولي في الجنوب محكوماً بالأطر القانونية والشرعية الدولية ذات الصلة، وبما يحفظ حقوق لبنان ومصالحه الوطنية.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل ما يشهده الجنوب اللبناني من تحديات أمنية وسياسية، وما يفرضه ذلك من ضرورة صون الاستقرار وحماية السكان، واحترام سيادة الدولة اللبنانية ووحدة أراضيها.

فالسيادة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي ركن أساسي من أركان الدولة، وترتبط بقدرتها على حماية أرضها ومواطنيها، وباحترام القواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين الدول، وبأن تكون القرارات المتصلة بأمن البلاد ومصالحها منسجمة مع حقوقها ومصلحتها الوطنية.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور المؤسسات اللبنانية في متابعة التطورات، وحماية الاستقرار، والتعامل مع المجتمع الدولي من موقع المسؤولية الوطنية، بما يصون الحقوق ويعزز فرص السلام.

 

____إنسانية الفكر الديني… احترام الأديان وحماية المجتمعات من الفتنة.

 

من الجوانب المهمة في حديث سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب تناوله العلاقة بين الأديان، وما تفرضه من ضرورة التمييز بين المعتقدات الدينية ومواقف الدول والسياسات والصراعات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية فكرية وإنسانية، لأنها تؤكد أن الاختلاف الديني لا ينبغي أن يتحول إلى أساس للحكم الجماعي على الناس، أو سبب لإثارة الفتن والكراهية بين المجتمعات. فالأديان ومعتنقوها لا يُختزلون في مواقف سياسية أو صراعات عسكرية، والإنسان يستحق الاحترام وصون الكرامة بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته.

 

إن منطقتنا، بما تختزنه من تنوع ديني وثقافي وحضاري، تحتاج إلى خطاب يحفظ كرامة الإنسان، ويصون حقه في الإيمان والاختلاف، ويعزز قيم الحوار والعيش المشترك. فالتاريخ الديني والحضاري للمنطقة لا يمكن اختزاله في الصراعات وحدها، بل يتضمن أيضاً مساحات واسعة من التفاعل والتواصل والتأثير المتبادل.

 

ومن هنا، فإن إبراز البعد الإنساني في الخطاب الديني يكتسب أهمية مضاعفة في زمن الحروب، حين تصبح المجتمعات أكثر عرضة للتحريض والانقسام. فحماية الإنسان من الفتنة، واحترام التنوع، وصون كرامة المدنيين، مسؤوليات أخلاقية ووطنية لا تنفصل عن أي مشروع للسلام والاستقرار.

 

___ الحقوق والسيادة والكرامة أساس الاستقرار.

 

إن فهم طبيعة الصراع والتمسك بالحقوق والسيادة والكرامة يشكل أساساً لأي رؤية تسعى إلى سلام حقيقي ومستدام. فالسلام ليس مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، ولا اتفاقاً شكلياً يترك أسباب الصراع قائمة وقابلة للاشتعال من جديد.

ولا يمكن أن يتحقق السلام بصورة حقيقية ومستدامة من دون استعادة الأرض و الحق والحقوق، وإنصاف المظلومين، وصون السيادة والكرامة الوطنية والإنسانية. 

 

فلا سلام حقيقياً في ظل عدوان أو اعتداء، ولا استقرار دائماً مع انتقاص السيادة أو المساس بكرامة الإنسان وحق الشعوب في الأمن والحرية وتقرير المصير.

 

إن وقف الحرب خطوة ضرورية لحماية الأرواح، لكن السلام الحقيقي و الدائم يحتاج إلى معالجة أسباب النزاع، وضمان الحقوق، واحترام سيادة الدول، وتأمين الحماية للمدنيين، والعمل على منع تكرار الاعتداءات واسترجاع الحق والحقوق .. 

 

ومن هنا، تبرز أهمية الربط بين فهم الصراع والوعي بعناصر القوة والتمسك بالحقوق.

 

 فالسلام الذي يحفظ الكرامة ليس نقيضاً للدفاع عن السيادة، بل هو الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها الجهود السياسية والإنسانية، بما يضمن للشعوب حقها في العيش بأمن وحرية وكرامة.

 

كما أن حماية المجتمعات من الاستنزاف، وصون وحدتها الداخلية، وتعزيز قدرتها على الصمود، تمثل عناصر أساسية في أي مسار يهدف إلى الوصول إلى سلام عادل يحفظ الحقوق ولا يفرّط بها.

 

____المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى… رسالة وطنية وحضور جامع.

 

يمثل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي تأسس بمبادرة الإمام السيد موسى الصدر، مؤسسة دينية ووطنية ذات مكانة مهمة في لبنان.

 

 وقد ارتبطت رسالته بالدفاع عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية، وتعزيز حضورهم الوطني، والعمل من أجل العدالة والمشاركة والشراكة بين اللبنانيين.

 

وتتصل أهمية المجلس أيضاً بدوره في حماية السلم الأهلي، وتعزيز الحوار الوطني، وترسيخ العيش المشترك، والدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه، أياً كان انتماؤه.

 

وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي يضطلع به سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب في تأكيد المسؤولية الوطنية للمرجعية الدينية، وإبقاء قضايا الناس وحقوقهم في صلب الاهتمام، وتعزيز حضور المؤسسة في الحياة العامة.

 

إن الدفاع عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية ينسجم مع الانفتاح على سائر اللبنانيين، ويكتسب قوته الوطنية من مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، واحترام الدستور والقوانين، والتمسك بالشراكة الوطنية. فالعدالة قيمة جامعة، وكرامة الإنسان حق أصيل لكل مواطن.

 

ويمضي المجلس، بقيادة سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، في ترسيخ دوره الديني والوطني، وتعزيز حضوره في قضايا الناس وشؤون الوطن، انطلاقاً من رسالته الجامعة وإرث الإمام السيد موسى الصدر، الذي أراد للمجلس أن يكون بيتاً لأبناء الطائفة الشيعية، ومنبراً للحوار والتلاقي، وشريكاً في صون الوحدة الوطنية والعيش المشترك.

ويبرز في هذا المسار الاهتمام بالكفاءات والطاقات الشابة، وأصحاب الخبرات الدينية والقانونية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، بوصفهم رصيداً وطنياً ومجتمعياً يرفد عمل المجلس، ويوسّع آفاق مبادراته، ويعزز حضوره في القضايا الاجتماعية والحقوقية والوطنية.

 

__وتبقى أبواب المجلس مفتوحة أمام أبناء الطائفة الشيعية بمختلف آرائهم وتوجهاتهم، وأمام سائر اللبنانيين، في تجسيد لرسالته الجامعة وإيمانه بأن الحوار والتعاون واحترام التنوع تشكل ركائز أساسية لحماية لبنان وتعزيز استقراره.

ومن هذا المنطلق، تتعزز أهمية الدور الذي يضطلع به سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب في الجمع بين المسؤولية الدينية والوعي الوطني، وترسيخ ثقافة الشراكة والعدالة، والدفاع عن كرامة الإنسان وحقوق المواطنين في إطار الدستور والقوانين والمصلحة الوطنية العليا.

 

___فالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بما يمثله من تاريخ ومكانة ورسالة، يشكل مساحة وطنية للحوار والتواصل، ورافداً من روافد الحياة الدينية والاجتماعية في لبنان، وتزداد أهمية حضوره في ظل الحاجة إلى مؤسسات جامعة تسهم في تعزيز الثقة، وحماية التنوع، وترسيخ الوحدة الوطنية.

 

___من الرؤية إلى العمل…

 

إن الأفكار والرؤى التي تطرحها المرجعيات الدينية تزداد أثراً عندما تتصل بمبادرات عملية وبرامج واضحة، تلامس حياة الناس وتستجيب لحاجاتهم، وتفتح آفاقاً أوسع أمام المشاركة والتعاون.

ومن هنا، تتسع مجالات عمل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في تعزيز الحوار الوطني، ومتابعة القضايا الاجتماعية والحقوقية، وتمكين الشباب والكفاءات، وتوسيع التواصل العربي والإسلامي والدولي.

 

كما يشكل استقبال مطالب المواطنين وشكاواهم، ومتابعتها مع الجهات المختصة وفق الأصول القانونية، وتطوير عمل اللجان المتخصصة، والاستفادة من الخبرات القانونية والثقافية والإعلامية والاجتماعية، مجالات مهمة لخدمة المجتمع وتعزيز التواصل مع أبنائه.

 

ولا يقل أهمية عن ذلك التعاون مع الكفاءات والفعاليات الوطنية، وإطلاق المبادرات التي تعزز المشاركة المجتمعية، وتدعم الحوار، وتكرّس ثقافة المواطنة والعدالة، بما ينسجم مع رسالة المجلس ومكانته الوطنية.

 

___إن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يمتلك تاريخاً ومكانة وإمكانات تتيح له الإسهام في قضايا تتجاوز الإطار الاجتماعي المباشر إلى الحوار الوطني، والعلاقات العربية والإسلامية، والتواصل مع المؤسسات الدولية، بما يخدم لبنان ويحفظ مصالح أبنائه.

وتبقى الغاية من هذا الدور دعم الدولة ومؤسساتها، وتعزيز الالتزام بالقوانين اللبنانية، وتسهيل وصول المواطنين إلى حقوقهم، والمساهمة في معالجة القضايا الاجتماعية والحقوقية بروح المسؤولية الوطنية.

 

 

___ الشراكة والمواطنة والمصلحة الوطنية.

 

يواجه لبنان تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابكة، وتتأثر أوضاعه بالتحولات الإقليمية والدولية. وفي مثل هذه الظروف، تزداد أهمية الخطاب الوطني الذي يجمع ولا يفرّق، ويحمي التنوع اللبناني من التوظيف في الصراعات، ويعزز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

إن الاستقرار يقوم على معالجة المشكلات بالعدل والقانون، والاستماع إلى الناس، وتطبيق القواعد على الجميع من دون استنساب أو محاباة. كما أن احترام المؤسسات يتكامل مع المطالبة بالإصلاح، والدفاع عن الحقوق ينسجم مع الالتزام بالقانون، فالدولة تزداد قوة عندما تصون كرامة مواطنيها، وتستجيب لمطالبهم المشروعة، وتوفر لهم العدالة والمساواة.

ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي تؤديه المرجعيات الدينية والوطنية في تعزيز الحوار، وتخفيف التوترات، وتوجيه الطاقات نحو المبادرات التي تخدم المجتمع، وتحفظ وحدة لبنان واستقراره.

 

إن مصلحة لبنان الوطنية تقتضي التعاون بين جميع مكوناته، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، والتمسك بالشراكة والمواطنة، واحترام التنوع الذي يشكل جزءاً من هوية البلاد وتاريخها.

 

خاتمة القول :

 

__ الحق والكرامة والسيادة… 

 

إن ما طرحه سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب في ندوة مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي يقدم قراءة مترابطة للصراع، تبدأ من جذوره التاريخية، وتمر بمعادلات القوة والنفوذ، وتضيء على أبعاده الحضارية والثقافية، وصولاً إلى قضايا السيادة والحقوق ومستقبل المنطقة.

وتبرز في هذه القراءة أهمية الانتقال من متابعة الأحداث بوصفها وقائع متفرقة إلى فهمها ضمن سياق أوسع، وإدراك دور الإرادة والوعي والقدرات الذاتية في تشكيل موازين القوة، وأهمية التمسك بالقضايا والحقوق في مواجهة التحولات.

كما تحمل هذه الرؤية رسالة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى ضرورة بناء الإنسان، وتطوير العلم والمعرفة، وتعزيز الثقة بالقدرات الوطنية، وصون الهوية، وحماية المجتمعات من الانقسام والفتن.

 

وفي لبنان، تكتسب هذه المعاني أهمية إضافية، لأن حماية الوطن تتطلب صون سيادته، وتعزيز وحدته، وترسيخ العدالة بين أبنائه، وتعزيز مؤسساته، وتوسيع مساحات الحوار والتعاون الوطني.

 

إن لبنان الذي نريده ليس وطناً ينتصر فيه فريق على آخر، بل وطناً ينتصر فيه الحق على الظلم، والقانون على الاستنساب، والشراكة على الإقصاء، والكرامة الإنسانية على المصالح الضيقة.

فمصلحة لبنان أهم من الجميع وفوق الجميع، ولا وطن قوياً من دون مواطن مصان الكرامة، ولا وحدة وطنية حقيقية من دون عدالة، ولا استقرار دائماً من دون مساواة في الحقوق والواجبات.

 

ويبقى السلام الحقيقي سلاماً بين اللبنانيين انفسهم يحفظ الحقوق ولا ينتقص منها، ويصون السيادة ولا يفرّط بها، ويضع كرامة الإنسان في صلب الاهتمام، ويفتح أمام الابناء والأحفاد طريقاً إلى مستقبل أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً.

 

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

 

13 تشرين الأول 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي