كتب /نبيل الشريف:
لم يعد ملف المهجّرين والنازحين من الجنوب والبقاع وبعلبك الهرمل يحتمل المماطلة أو البيانات الإنشائية أو المواقف الموسمية.
هناك عائلات فقدت بيوتها وأرزاقها وأعمالها، وهناك قرى وبلدات ما زالت تتعرض للتدمير والنسف والتجريف والحرق، فيما يعيش أصحابها ظروفاً معيشية صعبة، وينتظرون من الدولة موقفاً عملياً يوازي حجم المأساة.
وهنا يجب أن يكون الكلام واضحاً: المسؤولية الأولى والمباشرة تقع على الدولة اللبنانية وسلطتها التنفيذية.
فالدولة هي التي تملك المؤسسات والصلاحيات والقدرة على وضع خطة وطنية للإغاثة والإيواء والتعويض وإعادة الإعمار وتأمين العودة.
ولا يجوز أن تتحول مسؤولية الدولة إلى مادة للمزايدات السياسية، أو أن يجري البحث عن بديل عنها لدى المؤسسات الدينية أو الأهلية.
فالمواطن الذي تهدّم منزله لا يريد خطاباً سياسياً؛ يريد سقفاً يحمي عائلته، وتعويضاً يعيد إليه بعضاً من حقه، وعملاً يؤمّن له رزقه، وقرية يستطيع العودة إليها بكرامة وأمان.
مسؤولية السلطة لا تتوقف عند المهجّرين
كما أن مسؤولية السلطة التنفيذية لا تتوقف عند ملف المهجّرين والتعويضات والإعمار، بل تشمل أيضاً ملف الوظائف العامة والمراكز الإدارية الشاغرة التي ينتظر أبناء الطائفة الشيعية، كما ينتظر أبناء سائر الطوائف، ملأها وفق الأصول والكفاءة والتوازن الوطني.
فالدستور اللبناني نص على اعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة، مع مراعاة مقتضيات الوفاق الوطني، وعلى أن تكون وظائف الفئة الأولى مناصفة بين المسلمين والمسيحيين من دون تخصيص وظيفة لأي طائفة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تبقى مراكز شاغرة لفترات طويلة، أو عندما يتم التعامل مع بعض الموظفين والمرشحين بطريقة يصفها المتضررون بأنها كيدية سياسية أو إدارية، أو عندما يشعر أبناء طائفة معينة بأن حقوقهم الوظيفية لا تُعامل بالمعايير نفسها التي تُعامل بها حقوق الآخرين.
وهنا لا بد من التوقف بوضوح عند ما يثار حول عدم ملء بعض الشواغر التي جرى العرف أو التفاهم الوطني على أن يتولاها أبناء الطائفة الشيعية، إضافة إلى ما يعتبره عدد من الموظفين الشيعة ممارسات كيدية بحقهم.
هذه القضية لا ينبغي اختزالها في مطالبة طائفية، بل يجب النظر إليها من زاوية العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص واحترام التوازن الوطني.
فإذا كان هناك مركز شاغر، فالمطلوب أن يُملأ وفق الأصول، وبمعايير واضحة وشفافة، وأن يُعطى صاحب الكفاءة حقه، أياً كان انتماؤه.
أما إبقاء المراكز شاغرة من دون أسباب واضحة، أو تعطيل التعيينات والترفيعات، أو ممارسة الاستنسابية بحق موظفين بسبب انتمائهم الطائفي أو السياسي، فهو أمر يفتح الباب أمام فقدان الثقة بمؤسسات الدولة.
والسلطة التنفيذية مطالبة هنا بأن تكون واضحة أمام اللبنانيين:
إما أن تملأ الشواغر وفق الأصول والمعايير المعتمدة، وإما أن تشرح للرأي العام أسباب التأخير والتعطيل.
فلا يجوز أن تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للعقاب السياسي، كما لا يجوز أن تتحول المطالبة بالحقوق إلى ذريعة لتعطيل مؤسسات الدولة.
المطلوب هو دولة عادلة، وإدارة شفافة، وتكافؤ في الفرص، واحترام للتوازن الوطني، وعدم ممارسة الكيدية بحق أي موظف بسبب انتمائه الطائفي أو السياسي.
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليس بديلاً عن الدولة
في المقابل، من الخطأ أيضاً تصوير المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وكأنه مؤسسة غائبة عن هموم الناس أو غير معنية بما يجري.
المجلس حاضر، ومواقفه وبياناته وخطب نائب رئيسه وتحركاته ولقاءاته تشهد على ذلك.
والعلامة الشيخ علي الخطيب لم يتعامل مع قضية الجنوب والمهجّرين باعتبارها قضية هامشية، بل حملها إلى لقاءاته العربية والإسلامية والدولية، وتحدث عن معاناة الناس، ودعا إلى التضامن والتكافل، وإلى تشكيل لجان لمتابعة أوضاع المهجّرين والنازحين.
وهذا هو دور المجلس: أن يكون صوتاً للناس، ومدافعاً عن حقوقهم، وحاملاً لقضاياهم، وحاضراً في أوجاعهم وآمالهم، ومدافعاً عن لبنان وعن أبناء الطائفة وعن قضايا الأمة.
لكن المجلس ليس وزارة، وليس جمعية خيرية، وليس صندوقاً مالياً، وليس داراً للإيواء.
ومن غير المنطقي تحميل مؤسسة دينية وطنية مسؤوليات يفترض أن تتحملها الدولة ومؤسساتها التنفيذية.
المساعدات المزعومة… أين الحقيقة؟
أما ما يُشاع حول حصول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على مساعدات مالية، فهو أمر يجب وضع حد واضح له.
فقد أكد لنا مصدر موثوق من داخل المجلس أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لم يحصل، ولم تصله منذ سنوات وحتى اليوم، أية مساعدات مالية من أي مرجعية دينية، أو أي جهة عربية أو إسلامية أو دولية.
وهذه المعلومة تتعلق بالمجلس نفسه، ويجب عدم خلطها بأي دعم قد تقدمه دول أو جهات للبنان أو للجنوب أو للمتضررين فيه.
كما أكد المصدر أن نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، خلال جولاته إلى إيران للمشاركة في بعض الفعاليات والمؤتمرات الدولية، وإلى العراق للمشاركة في لقاءات وفعاليات دينية وسياسية، لم يذهب لطلب مساعدات مالية للمجلس، ولم تُمنح للمجلس مساعدات مالية.
فالشيخ الخطيب كان يحمل قضية لبنان والجنوب ومعاناة الناس، ويتحدث عن أوضاعهم ويطالب بدعمهم، وهذا جزء من الدور الوطني الذي يقوم به المجلس.
أما تحويل هذه التحركات إلى روايات عن أموال وإيرادات وصلت إلى المجلس، من دون تقديم دليل موثق، فهو، وفق المصدر الذي نقل لنا هذه المعلومات من داخل المجلس، محض افتراء وتشويه متعمد.
والأخطر أن مثل هذه الشائعات لا تقف عند حدود التشويه الإعلامي، بل يمكن أن تتحول إلى أداة لزرع الشك والانقسام داخل الطائفة، والإساءة إلى مؤسسة وطنية ودينية تقوم بدور عربي وإسلامي ودولي.
لا تختلقوا معركة داخل الطائفة
وفي وقت يحتاج فيه الناس إلى التضامن، لا يحتاجون إلى اختلاق معارك جديدة.
وكل أوهام وأحلام المتاجرين والخبثاء بأن هناك خلافات أو انقسامات بين الثنائي الوطني الشيعي ليست سوى أوهام وأحلام يجري تسويقها في محاولة لضرب وحدة الصف وإرباك الساحة الداخلية.
ومن الطبيعي أن تختلف الآراء والاجتهادات في بعض الملفات، وأن تكون هناك مواقف سياسية متباينة، لكن تحويل ذلك إلى مشروع صراع أو قطيعة داخل البيت الشيعي هو أمر آخر تماماً.
إن تسويق ونشر الشائعات عن وجود خلافات وانقسامات بين الثنائي الوطني الشيعي، وإن كان يخدم أهداف العدو ومن يريد إضعاف الساحة الداخلية، فإنه لا يتوقف عند حدود الخلاف السياسي أو الإعلامي، بل يمكن أن٨ ينعكس سلباً وبشكل خطير على قضايا الأمن الاجتماعي والوطني في لبنان كله.
فالاحتقان الاجتماعي، عندما يتراكم فوق التهجير وفقدان البيوت والأعمال ومصادر الرزق والضغوط المعيشية، قد ينتج تداعيات لا يمكن لأحد أن يضمن مساراتها أو نتائجها.
والأخطر أن الذين يظنون أنهم يستطيعون اللعب على وتر الفرقة والانقسام، أو استخدام الشائعات وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية، قد يجدون أنفسهم في نهاية المطاف أمام تداعيات تتجاوز قدرتهم على التحكم بها.
فأول من قد يتضرر من نشر سموم الفرقة والانقسام هم أنفسهم الذين يروّجون لها، لأن العبث بالأمن الاجتماعي لا يتوقف عند حدود طائفة أو منطقة أو فريق سياسي، بل عندما يهتز الاستقرار يصبح الجميع أمام نتائج لا يمكن ضبطها.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي وقف المتاجرة بأوجاع الناس، وعدم تحويل معاناتهم إلى مادة للصراع السياسي والإعلامي، وعدم الرهان على إشاعة الانقسام داخل أي مكوّن من مكونات المجتمع اللبناني.
فالجنوب لا يحتاج إلى خلافات وهمية، والمهجّرون لا يحتاجون إلى صراعات إعلامية، ولبنان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات.
القضية اليوم أكبر من الحسابات الصغيرة.
هناك إنسان مهجّر ينتظر العودة، وقرية تنتظر الإعمار، وعائلة تنتظر التعويض، وموظف ينتظر حقه، ولبنان يحتاج إلى الاستقرار والأمن الاجتماعي والوطني.
ولذلك، فإن المطلوب هو وحدة الصف، ووضوح المسؤوليات، ووقف الشائعات، ووضع مصلحة الناس ولبنان فوق الحسابات السياسية والإعلامية.
الدولة أولاً… والمجلس يقوم بدوره
وفي النهاية، لا بد من قول الأمور كما هي:
الدولة اللبنانية وسلطتها التنفيذية تتحملان المسؤولية الأولى والمباشرة عن المهجّرين والنازحين، وعن حسن إدارة مؤسسات الدولة وضمان العدالة في الوظيفة العامة.
هي المسؤولة عن الإغاثة، والإيواء، والتعويض، وإعادة الإعمار، وتأمين العودة، وحماية المواطنين، ومتابعة نتائج الاعتداءات التي طالت منازلهم وقراهم وأرزاقهم.
وهي أيضاً مطالبة بإنهاء الشغور حيث يجب ملؤه، ومعالجة أوضاع الموظفين، وضمان عدم ممارسة أي كيدية أو استنسابية بحقهم، واحترام معايير الكفاءة والاختصاص والتوازن الوطني.
ولا يجوز للدولة أن تبحث عن أعذار، أو أن تنقل مسؤولياتها إلى المرجعيات الدينية والمؤسسات الأهلية، أو أن تترك الناس رهينة الانتظار والظروف الصعبة.
أما المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فسيبقى في موقعه الوطني والديني، حاضراً ومتفاعلاً مع هموم وآلام وآمال أبناء الطائفة الشيعية واللبنانيين عموماً، ومدافعاً عن حقوقهم وقضاياهم، وحاملاً صوتهم إلى الداخل والعالم العربي والإسلامي والدولي.
وسيظل ملتزماً بدوره في الدفاع عن الطائفة، وعن لبنان، وعن قضايا الأمة، وعن الوحدة الوطنية والعيش المشترك.
المطلوب إذاً ليس تحويل المجلس إلى جمعية إغاثة، ولا تحميله مسؤولية الدولة، ولا تشويه دوره بالشائعات.
المطلوب أن تقوم الدولة بواجبها كاملاً، وأن يقوم المجلس بدوره كاملاً، وأن يتوقف العبث بمعاناة الناس وبحقوقهم.
فالنازح لا يريد منّة من أحد.
يريد حقه.
يريد بيته.
يريد أرضه.
يريد رزقه.
والموظف لا يريد امتيازاً على حساب أحد.
يريد حقه.
يريد كرامته.
يريد عدالة في دولته.
ويريد دولة تحميه وتقف إلى جانبه.
وهذه ليست مطالبة سياسية، بل مسؤولية دولة وحق مواطن.
وللحديث تتمة ..
نبيل الشريف