كتب / سعيد فارس السعيد
في لبنان، حيث تتعدد الطوائف والمذاهب والانتماءات، وتتداخل السياسة بالدين، وتتقاطع المصالح الوطنية مع محيط لبنان العربي والإسلامي والعالم، تبرز أهمية المؤسسات التي استطاعت أن تجمع ولا تفرّق، وأن تحاور ولا تصطدم، وأن تدافع عن الحقوق من موقع الحكمة والمسؤولية.
ومن بين هذه المؤسسات، يحتل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مكانة وطنية ودينية مميزة، بما يمثله من حضور في وجدان أبناء الطائفة الشيعية، وبما أدّاه من دور جامع في الحياة اللبنانية، وعبر علاقاته العربية والإسلامية والدولية.
ومن هنا، فإن أهمية المجلس لا تُقاس فقط بما يصدر عنه من بيانات أو بما يقوم به من نشاطات، بل بما أدّاه من دور تجاوز الإطار التقليدي للمؤسسة الدينية، ليكون حاضراً في القضايا الوطنية، ومنفتحاً على محيطه العربي والإسلامي، وقادراً على التواصل مع العالم من موقع لبناني واضح.
ومن هنا أيضاً، فإن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وعلى مدى السنوات والأشهر الماضية، استطاع أن يؤدي دوراً متقدماً وفاعلاً على المستويات الوطنية والعربية والإسلامية والدولية، وأن يحافظ على حضوره في مختلف القضايا التي تعني لبنان وأبناءه.
فقد كان حاضراً في القضايا الوطنية، ومدافعاً عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية، ومنفتحاً في الوقت نفسه على مختلف المكونات اللبنانية، ومؤكداً في مواقفه وخطابه أن لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة والتفاهم والاحترام المتبادل.
كما استطاع المجلس أن يوسّع مساحة حضوره العربي والإسلامي، وأن يحمل صوت لبنان وقضاياه إلى المرجعيات والمؤسسات والفعاليات العربية والإسلامية، وأن يؤكد أن العلاقة مع المحيط تقوم على الحوار والاحترام والمصالح المشتركة.
وعلى المستوى الدولي، كان للمجلس حضور في نقل حقيقة ما يجري في لبنان، وشرح هواجس اللبنانيين وقضاياهم، والدفاع عن حقوقهم، من موقع الواقعية السياسية التي تقرأ المتغيرات ولا تنفصل عن الثوابت والمبادئ.
وهذا الدور المتقدم يؤكد أن المجلس كان أكثر من مؤسسة دينية؛ فقد كان صوتاً وطنياً جامعاً، وجسراً للحوار، ومساحة للتفاهم، وقناة تواصل بين لبنان ومحيطه العربي والإسلامي والعالم.
والأهم أن هذا الحضور بقي محكوماً ببوصلة واضحة:
مصلحة لبنان أولاً، ومصلحة لبنان فوق الجميع.
فحين يكون لبنان هو الأولوية، يصبح الدفاع عن حقوق أبناء الطائفة جزءاً من الدفاع عن الوطن، ويصبح الانفتاح على العالم العربي والإسلامي والدولي وسيلة لتعزيز موقع لبنان، لا بديلاً عن هويته الوطنية.
لبنان أولاً… ومصلحة لبنان فوق الجميع
إن جوهر الدور الوطني للمجلس هو الإيمان بأن لبنان وطن لجميع أبنائه، وأن قوة لبنان تكمن في تنوعه وتعدد مكوناته، وفي قدرة هذه المكونات على بناء شراكة حقيقية تحفظ لكل لبناني كرامته وحقوقه.
ومن هنا، فإن الدفاع عن حقوق أبناء الطائفة الشيعية لا يتناقض مع الانفتاح على بقية المكونات، بل هو جزء من الدفاع عن لبنان كله.
فقد كان المجلس بيتاً جامعاً لأبناء الطائفة، ومنفتحاً على جميع اللبنانيين، وحريصاً على الوحدة الوطنية والعيش المشترك.
والقاعدة التي حكمت هذا الدور هي قاعدة بسيطة وعميقة:
مصلحة لبنان أولاً، ومصلحة لبنان فوق الجميع، وفوق كل الحسابات والاعتبارات.
فلا طائفة يمكن أن تكون أقوى من لبنان، ولا حزب، ولا تيار، ولا مؤسسة، ولا أي اعتبار آخر.
وعندما تكون مصلحة لبنان هي البوصلة، يصبح الاختلاف السياسي تنوعاً، ويصبح الاختلاف الديني غنى، ويصبح التنوع الاجتماعي مصدر قوة لا سبباً للانقسام.
المجلس ودوره في جمع اللبنانيين
لبنان بحاجة دائماً إلى مساحات للحوار.
وفي هذا المجال، أدّى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى دوراً مهماً في التواصل مع المرجعيات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية اللبنانية من مختلف الطوائف والمكونات.
فالعيش المشترك ليس مجرد شعار، وإنما هو ممارسة يومية تحتاج إلى جسور دائمة بين اللبنانيين.
والمجلس، بحكم موقعه الديني والوطني، كان أحد هذه الجسور.
استمع إلى الجميع، وحاور الجميع، واحترم الجميع، ووضع مصلحة لبنان فوق أي اختلاف.
وهذا الدور الجامع يزداد أهمية في زمن تكثر فيه الأزمات، لأن لبنان لا يحتاج فقط إلى المؤسسات التي تدير الخلاف، بل يحتاج أيضاً إلى المؤسسات التي تساعد على منع الخلاف من التحول إلى انقسام.
عربياً… لبنان في قلب محيطه
لبنان جزء أصيل من العالم العربي، وتاريخه وثقافته ومصالحه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمحيطه العربي.
ومن هنا، أدّى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى دوراً مهماً في تعزيز التواصل مع الدول العربية والمرجعيات والمؤسسات الدينية والفكرية والثقافية فيها، وإبراز صورة لبنان الحقيقي: لبنان المتنوع، المنفتح، المعتدل، القادر على الحوار.
وكان الحضور العربي للمجلس صوتاً للبنان وقضاياه، وجسراً للتواصل والتفاهم، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة.
فلبنان يحتاج إلى أفضل العلاقات مع أشقائه العرب، وإلى علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وحفظ سيادته واستقراره.
وكلما كان لبنان أكثر حضوراً في محيطه العربي، كان أكثر قدرة على حماية مصالحه وتعزيز موقعه.
إسلامياً… الوحدة والحوار
وفي العالم الإسلامي، امتلك المجلس أيضاً مساحة واسعة للحضور والتفاعل.
فالطائفة الشيعية جزء أصيل من الأمة الإسلامية، وقد ساهم المجلس في تعزيز الحوار بين المذاهب والمدارس الإسلامية، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح والتقارب.
وفي زمن يحتاج فيه العالم الإسلامي إلى تخفيف أسباب التوتر والانقسام، تصبح المؤسسات القادرة على الحوار والتواصل أكثر أهمية.
وقد حمل المجلس رسالة واضحة:
الإسلام يجمعنا، والاختلاف لا يفسد الأخوة، والحوار أقوى من القطيعة، والإنسان وكرامته هما الأساس.
ومن لبنان، بلد التعدد الديني والمذهبي، اكتسبت هذه الرسالة قيمة خاصة، لأن تجربة العيش المشترك اللبنانية تقدم نموذجاً مهماً للحوار بين المكونات.
دولياً… صوت الحق والواقعية السياسية
أما على المستوى الدولي، فإن أهمية المجلس تكمن في حضوره وتواصله مع العالم من موقع لبناني واضح.
فقد كان المجلس صوت الحق، وصوت الواقعية السياسية.
والواقعية السياسية لا تعني التخلي عن المبادئ، بل تعني معرفة كيفية الدفاع عنها بالوسائل الممكنة، وفهم موازين القوى، وفتح قنوات الحوار، وحماية المصالح الوطنية.
فالسياسة ليست فقط مواقف وشعارات، وإنما هي أيضاً قدرة على قراءة الواقع، وفهم المتغيرات، وبناء العلاقات، واستخدام الحوار للوصول إلى ما يخدم الوطن.
ومن هنا، شكّل حضور المجلس في المحافل واللقاءات العربية والإسلامية والدولية مساحة مهمة لشرح حقيقة لبنان، والدفاع عن مصالحه، والتأكيد على حق اللبنانيين في الأمن والاستقرار والسيادة والعيش الكريم.
الشيخ علي الخطيب… حضور المجلس في هذه المرحلة
وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي يقوم به نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، من خلال خطبه ولقاءاته وتحركاته داخل لبنان وخارجه.
فالحضور في القضايا الوطنية، والتواصل مع المرجعيات الدينية والسياسية، والانفتاح على المحيط العربي والإسلامي والدولي، كلها مساحات أدّى المجلس من خلالها دوره في إيصال صوته ورؤيته.
والأهم أن يكون هذا الصوت دائماً صوت لبنان، وأن تكون الأولوية في كل موقف وحوار هي مصلحة لبنان واللبنانيين.
وقد جمع المجلس بين الأصالة والانفتاح، وبين الثوابت والواقعية، وبين الدفاع عن الحقوق والحفاظ على جسور التواصل.
وهذه معادلة مهمة في زمن التحولات الكبرى.
مؤسسة دينية… ودور وطني واسع
إن أهمية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لا تأتي فقط من موقعه الديني، وإنما أيضاً من قدرته التي أثبتها في ممارسة دور وطني جامع.
فقد كان:
مرجعية دينية لأبناء الطائفة الشيعية،
ومنبراً للحوار بين اللبنانيين،
وجسراً مع العالم العربي،
وشريكاً في تعزيز الوحدة الإسلامية،
وصوتاً لبنانياً في المحافل الدولية.
وهذه الأدوار لا تتعارض، بل تتكامل.
فالهوية الشيعية للمجلس لا تلغي هويته الوطنية، والانتماء الإسلامي لا يتناقض مع الانتماء اللبناني، والانفتاح العربي والدولي لا يعني التنازل عن استقلالية القرار الوطني.
بل إن قوة المجلس الحقيقية تكمن في قدرته على الجمع بين هذه الدوائر كلها ضمن رؤية واحدة عنوانها:
لبنان أولاً.
مصلحة لبنان فوق الجميع
في نهاية المطاف، تبقى المصلحة الوطنية هي المعيار الأهم.
قد تختلف القوى السياسية في الرؤى والاجتهادات، وقد تتعدد المواقف والخيارات، لكن هناك مصلحة لبنانية عليا يجب أن تبقى فوق الجميع.
لبنان الآمن.
لبنان المستقر.
لبنان السيد.
لبنان المتنوع.
لبنان الذي يحفظ كرامة جميع أبنائه.
لبنان الذي يعيش فيه المسلم والمسيحي شريكين في وطن واحد، لا مجرد مكونات متجاورة.
ومن هنا، فإن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أدّى دوراً متقدماً في ترسيخ هذه المعادلة، وكان صوتاً للحكمة والاعتدال، وصوتاً للحق، وصوتاً للواقعية السياسية، وصوتاً للبنان في محيطه العربي والإسلامي وفي العالم.
فالطائفة جزء من الوطن، والوطن هو المظلة التي تجمع الجميع.
وكلما ارتفع صوت الحكمة فوق أصوات الانقسام، وكلما تقدمت مصلحة لبنان على المصالح الخاصة، أصبح لبنان أكثر قدرة على مواجهة تحدياته وحماية مستقبله.
إن لبنان لا يحتاج إلى من يختار بين أبنائه، بل إلى من يجمع أبناءه.
ولا يحتاج إلى من يزيد المسافات بين مكوناته، بل إلى من يبني الجسور بينها.
ولا يحتاج إلى أصوات تعمّق الخلاف، بل إلى أصوات تقول الحقيقة بواقعية وحكمة ومسؤولية.
وهنا تكمن أهمية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى:
أن يكون صوتاً لأبناء الطائفة، وصوتاً للوطن، وجسراً بين اللبنانيين، وحاضراً في محيطه العربي والإسلامي، ومنفتحاً على العالم، وأن تبقى البوصلة دائماً وأبداً: مصلحة لبنان.
مصلحة لبنان فوق الجميع…
وفوق كل اعتبار.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من الرماد، لا من تحت الركام.»