مقالات خاصة

سعيد فارس السعيد… الرجل الذي تعرفتُ إليه من خلال كلماته

 

 

بقلم: خولة معروف / ميشيغان – أمريكا

 

لم ألتقِ سعيد فارس السعيد في تفاصيل حياته الأولى، ولم أكن إلى جانبه في سنوات عمله الصحفي، ولا في المراحل الصعبة التي مر بها.

 

 لكنني تعرفت إليه بطريقة أخرى؛

 

 تعرفت إليه من خلال كلماته، ومن خلال ما قرأته عن حياته، وكتبه، ومواقفه، والأفكار التي ظل يعود إليها في كتاباته.

 

ومع الوقت، شعرت أنني لا أقرأ سيرة كاتب فقط، بل أتعرف إلى إنسان تركت الأماكن والتجارب أثرها في شخصيته.

 

ربما لهذا السبب لم أجد نفسي مهتمة بأن أبدأ الحديث عنه بالألقاب أو المناصب. ما شدني أولًا هو الإنسان الذي يقف خلف كل ذلك.

 

___سعيد فارس السعيد من مواليد حلب عام 1961، وينحدر من نبل في ريف حلب الشمالي. وحين قرأت هذه التفاصيل، شعرت أن حلب ونبل ليستا مجرد سطرين في سيرته، وإنما جزء من تكوينه وذاكرته، ومن الطريقة التي ينظر بها إلى الإنسان والمكان والتاريخ.

 

وأنا أكتب عنه من ميشيغان، من مسافة جغرافية كبيرة عن سورية، أصبحت أشعر أكثر بقيمة الذاكرة.

 

 فالغربة تجعل الإنسان ينظر إلى المكان الذي جاء منه بطريقة مختلفة، وربما لهذا لفتني حضور سورية وحلب والشام في كتاباته، حتى عندما يتحدث عن قضايا أكبر من المكان.

 

___ما الذي لفتني فيه؟

 

أكثر ما لفتني أن سعيد لا يبدو مرتاحًا للقوالب الجاهزة.

لا يريد أن يُعرّف من خلال طائفة أو حزب أو تنظيم، ولا أن تكون كتابته امتدادًا لموقف جهة معينة.

 

 وهو يكرر في سيرته وكتاباته أنه كاتب وباحث مستقل.

 

قد يختلف القارئ معه في بعض أفكاره، وهذا طبيعي، لكنني أرى أن الاستقلالية هنا جزء من شخصيته قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.

 

وأنا شخصيًا أقدر الإنسان الذي يحاول أن يحتفظ بمساحته الخاصة في التفكير، حتى عندما تكون هذه المساحة مكلفة.

 

__الصحافة… 

المهنة التي رافقته طويلًا.

 

بدأ سعيد فارس السعيد من الصحافة والإعلام.

تولى رئاسة مكتب الإعلام في رئاسة جامعة حلب بين عامي 1981 و1983، ثم عمل في مجلس مدينة حلب، وعمل مستشارًا صحفيًا في مكتب الأمن القومي السوري خلال الفترة 1984–1992.

 

ثم واصل العمل الصحفي محررًا في صحيفتي الثورة والجماهير.

 

وأثناء قراءتي لهذه المرحلة، وجدت أن الصحافة لم تكن بالنسبة إليه مجرد مصدر رزق أو وظيفة. لقد أصبحت طريقة للنظر إلى المجتمع والأحداث، ولذلك لم يكن غريبًا أن ينتقل لاحقًا إلى دراسة الرأي العام وتأثير الإعلام فيه.

 

___من تجربة الصحفي إلى الدكتوراه.

 

في عام 2010 حصل على الدكتوراه في الصحافة والإعلام بامتياز، وكانت أطروحته:

«الرأي العام وطرق التأثير».

 

أحببت هذا التفصيل تحديدًا؛ 

 

لأن عنوان الأطروحة يبدو، بالنسبة لي، امتدادًا طبيعيًا لسنوات طويلة قضاها في الصحافة ومتابعة الأخبار والإعلام.

فالصحفي الذي يراقب كيف يتلقى الناس الأخبار، وكيف تتغير مواقفهم، وكيف تؤثر وسائل الإعلام فيهم، من الطبيعي أن ينتقل يومًا إلى دراسة هذه العملية بصورة أكاديمية.

 

__هناك أشياء في السيرة لا يمكن أن تمر عابرة

عندما قرأت عن عامي 2009 و2010،

 

 توقفت.

 

في عام 2009 تعرض منزله للمداهمة والاعتقال على خلفية مقال تناول قضايا فساد، وأُفرج عنه بعد يومين بقرار قضائي.

وفي عام 2010 تعرض لضغوط أمنية أخرى، شملت الإقامة الجبرية ومنع السفر، ثم ابتعد عن العمل الإعلامي.

 

لا أعرف كيف عاش تلك الأيام، ولا أريد أن أتحدث نيابة عنه عن مشاعره في تلك المرحلة.

 

لكنني أعرف شيئًا واحدًا: 

【مثل هذه التجارب لا تمر على الإنسان من دون أن تترك أثرًا】.

 

وربما لهذا أفهم بصورة أفضل تمسكه بعد ذلك باستقلالية الكتابة،

 

 وبحقه في أن يسأل ويناقش وينتقد.

 

وعندما فتحت قائمة مؤلفاته

وجدت نفسي أمام كاتب يصعب وضعه في تخصص واحد.

من كتبه:

«خواطر – إليكِ يا حوران»

«حديث الروح – السيرة المشرفة لأحياء خالدين»

«الفروسية عند العرب»

«الرأي العام وطرق التأثير»

«الإعلام التنموي»

«الإعلام والإدارة والتنمية»

«قضايا الجماهير»

«صحافة حلب في مئة عام»

«أضواء على الكنيسة المارونية – النشأة والجذور»

«نداءات الشام – ديوان شعر للوطن والإنسان»

«دبيل – ديوان شعر سرياني في الحب والمرأة»

«حبيبتي زهرة المانوليا»

 

وقد أعيدت طباعة عدد من أعماله في بيروت، ومنها «الفروسية عند العرب» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1993 وأعيدت طباعته عام 2025.

ما أحببته في هذا التنوع

ربما أكثر ما أحببته في قائمة مؤلفاته أنها تقول شيئًا عن صاحبها من دون أن يتحدث هو عن نفسه.

 

هناك كتاب عن الفروسية والتراث، وكتب عن الإعلام والتنمية والرأي العام، وكتاب عن صحافة حلب، وكتاب عن الكنيسة المارونية ومار مارون، ثم دواوين شعر.

 

___كيف يمكن لشخص واحد أن ينتقل بين كل هذه المساحات؟

 

بالنسبة لي، الجواب ربما يكمن في الفضول الإنساني نفسه؛ 

 

الرغبة في معرفة التاريخ، وفهم المجتمع، ومتابعة السياسة، والاحتفاظ في الوقت نفسه بمساحة للشعر والمشاعر.

 

كتابه عن الكنيسة المارونية

من أكثر أعماله التي أثارت فضولي «أضواء على الكنيسة المارونية ومار مارون».

تساءلت عندما قرأت عنه: لماذا اختار كاتب نشأ في بيئة مختلفة أن يكتب عن تاريخ الكنيسة المارونية ومار مارون؟

ومن خلال ما قرأته عن الكتاب، وجدت أن الدافع لديه كان الاهتمام بتاريخ المشرق وتراثه، وأنه أراد الاقتراب من الموضوع كباحث، لا من زاوية الصراع المذهبي.

 

وهذا الأمر قريب مني؛ لأنني أؤمن أن معرفة الآخر لا تنتقص من الإنسان، بل تجعله أكثر قدرة على فهم المكان الذي يعيش فيه وتاريخه.

 

___خلف الباحث… شاعر

 

ثم اكتشفت جانبًا آخر في شخصيته.

فهذا الرجل الذي يكتب عن الرأي العام والإعلام والأمن والتحولات السياسية، كتب أيضًا الشعر.

«نداءات الشام»، و**«دبيل»، و«حبيبتي زهرة المانوليا»**.

 

وهنا شعرت أن الصورة اكتملت قليلًا.

فالإنسان الذي يترك لنفسه مكانًا للشعر والحب والحنين لا يمكن أن يُقرأ فقط من خلال المقال السياسي أو الدراسة الاستراتيجية.

 

وربما يكون هذا الجانب هو الأقرب إلى الإنسان العادي في شخصيته؛ 

 

الإنسان الذي يكتب عن القضايا الكبيرة، لكنه لا يتخلى عن مشاعره وذاكرته.

ماذا يكتب اليوم؟

 

__في السنوات الأخيرة اتجه سعيد فارس السعيد أكثر إلى القضايا السورية والعربية والإقليمية، وإلى أسئلة الأمن والمجتمع ومستقبل المنطقة.

 

من العناوين التي قرأتها له:

«صوت ضمير وهوية وشرق يولد من تحت الرماد»

«شرق… هل سيولد من حطام الحرب؟»

«لا سلام مع الإقصاء… ولا شرق جديد دون عدالة»

وهذه العناوين وحدها تكشف إلى حد ما الأسئلة التي تشغله اليوم:

__ ماذا بعد الحروب؟ كيف يمكن أن يعيش أبناء المنطقة معًا؟ 

وما الذي يمكن أن يجعل السلام ممكنًا؟

 

وهو يعمل كذلك على دراسات جديدة تتناول الحرب على إيران وتداعياتها وإعادة تشكيل النظام الدولي، إلى جانب دراسة حول أسباب سقوط نظام الأسد في سورية.

 

__ماذا رأيت أنا؟

 

لا أريد أن أقول إنني أعرف سعيد فارس السعيد معرفة كاملة؛ فالإنسان أكبر من الكتب التي يكتبها، وأوسع من سيرته المنشورة.

 

_لكنني، من خلال ما قرأت، رأيت رجلًا حمل معه ذاكرة مكانه، وعمل طويلًا في الصحافة، وخاض تجارب لم تكن سهلة، ثم انتقل إلى البحث والكتابة المستقلة.

 

_ورأيت أيضًا أن اهتمامه لم يكن محصورًا في السياسة؛ فقد ظل حاضرًا في التاريخ والتراث والشعر وقضايا الإنسان.

 

ولهذا، عندما أكتب عنه اليوم من ميشيغان، لا أكتب لأضع له صورة مثالية، ولا لأحكم على كل ما كتب أو قال.

 

__أكتب لأنني وجدت في سيرته حكاية إنسان تستحق أن تُروى بهدوء.

 

__حكاية رجل بدأ من حلب، حمل معه ذاكرة نبل، عاش سنوات في الصحافة، مرّ بتجارب صعبة، ثم اختار أن يكمل طريقه بالقلم والبحث.

 

__وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يُقال عن أي كاتب هو أن تبقى كلماته قابلة للقراءة بعد أن تنتهي اللحظة التي كتب فيها.

 

أما عبارته:

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام»

فهي بالنسبة لي ليست مجرد توقيع؛

 

 إنها تختصر السؤال الذي ما زال يشغله، وربما يشغل كثيرين منا: 

____هل يستطيع هذا الشرق أن يخرج يومًا من ذاكرة الحرب إلى مساحة أوسع للإنسان؟

 

هذا هو السؤال الذي وجدته خلف كثير من كتاباته.

ولهذا كتبت عنه.

 

خولة معروف

ميشيغان – أمريكا


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة