مقالات خاصة

كلمةٌ عبّرت عن وجدان الناس وكرامتهم

 

كتب / سعيد فارس السعيد

 

 

لم تكن كلمة الشيخ علي الخطيب أمام الحشود الشعبية المحتشدة أمام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مجرد خطاب عابر، بل جاءت في لحظة وطنية دقيقة، عبّرت فيها عن هواجس الناس وتمسكهم بالكرامة والوطن والسيادة، وعن رفضهم أن يكون مستقبل لبنان رهناً بالضغوط أو الإملاءات.

لقد كانت كلمة واضحة في مضمونها، قوية في دلالاتها، ومتصلة مباشرة بما يشعر به الناس على الأرض. ولذلك لم يكن غريباً أن تلقى هذا التفاعل الشعبي، وأن يتوقف عندها كتّاب ومثقفون وشخصيات وطنية وإنسانية.

ولعل أبلغ ما اختصر أثرها ما قاله أحد الكتّاب المعروفين بمواقفه الوطنية والإنسانية:

«والله، تستحقون أن نقبّل جبينكم الطاهر وأياديكم النبيلة، وأنتم عنوان شرفنا وكرامتنا، وعنوان عزتنا وصمودنا ومحبتنا للديار وللوطن ولكل الناس الأحرار الشرفاء».

هذه الكلمات ليست مجرد مديح لشخص، بل شهادة على ما تركته الكلمة من أثر في نفوس من وجدوا فيها تعبيراً عن كرامتهم وهواجسهم الوطنية.

أهمية الكلمة

في الأزمات الوطنية، تصبح الكلمة مسؤولية. والكلمة الصادرة عن مرجعية لها حضورها في مجتمعها يمكن أن تسهم في تهدئة النفوس أو تعبئتها، في جمع الناس أو دفعهم إلى الانقسام.

ومن هنا جاءت أهمية كلمة الشيخ علي الخطيب؛ لأنها لم تتوجه إلى الشيعة وحدهم باعتبارهم جماعة مذهبية، بل حملت في مضمونها قضايا تتصل بلبنان كله: الكرامة، والسيادة، والأمن، والاستقرار، والحق في حماية الأرض والإنسان، ورفض تحويل اللبنانيين إلى مجرد متلقين للقرارات الخارجية.

والدور الوطني للمجلس يظهر هنا تحديداً: في أن يكون صوته معبّراً عن هواجس مجتمعه، وفي الوقت نفسه حريصاً على الوحدة الوطنية والعيش المشترك والاستقرار.

فالمجلس لا يحل محل الدولة، ولا ينازعها صلاحياتها، لكن من حقه، بل من مسؤوليته، أن يقول كلمته في القضايا الوطنية التي تمس حياة الناس وكرامتهم ومستقبل بلدهم.

الكلمة والموقف

لقد أثبتت هذه المناسبة أن الناس لا تبحث دائماً عن الكلمات المنمقة، بل عن موقف واضح تشعر أنه يعبّر عنها.

وحين يجد المواطن أن مرجعيته تقول ما يشعر به، وتضع الكرامة الوطنية في مقدمة خطابها، فإن الكلمة تتحول من خطاب إلى موقف، ومن موقف إلى ثقة، ومن الثقة إلى مسؤولية.

ولهذا فإن أهمية كلمة الشيخ علي الخطيب لا تقاس فقط بما قيل على المنبر، وإنما بما حملته من رسالة: أن كرامة اللبناني ليست موضوعاً للمساومة، وأن الدفاع عن حقوق الناس لا يعني الانقسام، وأن الحوار الوطني لا يعني التخلي عن الثوابت.

الخاتمة

لبنان اليوم يحتاج إلى كلمات واضحة، لا تزيد الانقسام بل تمنع الانقسام؛ وإلى مواقف وطنية لا تتنازل عن الكرامة ولا تغلق باب الحوار.

والدولة تبقى المرجعية الدستورية والقانونية الجامعة، ومسؤولة عن حماية جميع اللبنانيين وصون سيادة البلاد. والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، من موقعه المرجعي، يستطيع أن يرفد الحياة الوطنية بصوت مسؤول يعبّر عن مجتمعه، ويدافع عن حقوقه، ويدعو إلى الوحدة والكرامة والعيش المشترك.

وفي اللحظات الصعبة، ليست كل الكلمات متساوية؛ فهناك كلمات تُقال، وكلمات تُنسى، وكلمات تتحول إلى موقف يبقى في وجدان الناس.

وكلمة الشيخ علي الخطيب كانت، بالنسبة إلى كثيرين، من هذا النوع: كلمة كرامة، وكلمة صمود، وكلمة وطن.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة