بقلم الباحثة التربوية الدكتورة وفاء مروة
مونتريال – كندا
في مثل هذا اليوم… ١٥ أيلول
في مثل هذا اليوم، حطّت رحالي في كندا، بعد رحلةٍ طويلةٍ من الغربة في أفريقيا، امتدّت خمسةً وعشرين عامًا.
خمسةٌ وعشرون عامًا لم تكن مجرّد سنواتٍ مرّت، بل كانت عمرًا كاملًا من التجارب، والانتظار، والتعب، والأمل، والنجاحات، والتحديات، والوقوف من جديد كلما أثقلت الحياة خطاي.
كانت الغربة مدرسةً للحياة… مدرسةً علّمتني الصبر، وقوة التحمّل، والاعتماد على النفس، وعلّمتني أن الإنسان لا يكتشف قوته الحقيقية إلا عندما يواجه الحياة بكل تفاصيلها، ويجد نفسه مضطرًا لأن يبدأ من جديد.
في أفريقيا تركتُ جزءًا كبيرًا من عمري، لكنني لم أتركها خالية اليدين؛ حملتُ منها ذكرياتٍ لا تُنسى، ووجوهًا أحببتها، وتجاربَ صنعت شخصيتي، ودروسًا بقيت معي أينما ذهبت.
ثم جاء يوم ١٥ أيلول… اليوم الذي حطّت فيه رحالي في كندا، وبدأ فصلٌ جديد من حكايتي.
وصلتُ وأنا أحمل معي خمسةً وعشرين عامًا من التجربة، والكثير من الأحلام، وقلبًا يعرف جيدًا أن البدايات الجديدة تحتاج إلى شجاعة، وأن الطريق مهما كان طويلًا، يستحق أن نمضي فيه ما دام في القلب أمل.
كندا لم تكن مجرد محطةٍ جديدة، بل كانت بدايةً مختلفة؛ فيها أعدتُ ترتيب أحلامي، وواصلتُ مسيرتي، وحوّلتُ ما حملته من تجارب إلى طاقةٍ للعمل والعطاء.
واليوم، بعد سنواتٍ من تلك اللحظة، أقف أمام هذه الذكرى بشعورٍ عميق من الامتنان.
امتنانٌ لكل مكانٍ مررتُ به، ولكل تجربةٍ صنعتني، ولكل صعوبةٍ جعلتني أقوى، ولكل إنسانٍ ترك في حياتي أثرًا طيبًا.
خمسةٌ وعشرون عامًا من الغربة في أفريقيا… ثم بدايةٌ جديدة في كندا.
وبين أفريقيا وكندا، امتدّت حكاية امرأةٍ لم تتوقف عن الحلم، ولم تسمح للغربة أن تطفئ شغفها بالحياة.
اليوم لا أنظر إلى الماضي بحسرة، بل أنظر إليه بعينٍ ممتنّة؛ فقد كان الماضي زادي، وكانت تجاربي قوتي، وكان كل ما مررتُ به جزءًا من الطريق الذي أوصلني إلى هنا.
أحمل الماضي بكل ما فيه، وأعيش الحاضر بكل امتنان، وأفتح أبوابي للمستقبل بكل أمل.
فما زالت في القلب أحلامٌ كثيرة، وما زال في العمر متّسعٌ لفصولٍ جديدة، وما زلت أؤمن أن أجمل الحكايات قد تكون تلك التي نكتبها بعد أن نظن أن كل شيءٍ قد كُتب.
١٥ أيلول… ليس مجرد تاريخ.
إنه يومٌ بدأت فيه مرحلةٌ جديدة من حياتي، وما زالت الحكاية مستمرة.
الحمد لله على خمسةٍ وعشرين عامًا صنعت مني ما أنا عليه اليوم، وعلى كندا التي احتضنت بدايتي الجديدة، وعلى كل ما مضى، وكل ما هو آتٍ.
من أفريقيا حملتُ التجربة…
ومن كندا حملتُ الأمل…
وبينهما كتبتُ حكاية عمري.
وما زلت أقول لنفسي:
القادم أجمل، ما دام في القلب إيمان، وفي الروح أمل، وفي اليد قدرةٌ على العطاء.