دعا سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، خلال خطبتَي الجمعة في مدينة الكاظمية المقدسة، العراقيين إلى التحرك والاجتماع على رفض الاحتلال ومشروعه، منتقداً تبرير تخفيض قيمة الدينار وإجراء الحوار بعد تنفيذ القرار، ومتسائلاً عن الجهة التي تتحكم بالقرار العراقي. وأكد أن الدفاع عن الإسلام ومواجهة الإساءة إليه مسؤولية المؤسسات الدينية والمسلمين جميعاً، محذّراً من الانشغال بالمصالح الدنيوية عن الرسالة، ومن الانخداع بإعلانات وقف القتال مع استمرار معاناة غزة، ومشدّداً على استمرار المواجهة في فلسطين ولبنان واليمن.
الخطبة الأولى: الدفاع عن الإسلام ووحدة الموقف في مواجهة الاستعمار
استهلّ المرجع الخالصي خطبته بالوصية بتقوى الله، ولزوم أمره واجتناب نهيه، مؤكداً أن ذكر الله يتجاوز اللسان إلى إحياء القلب، وصدق التوكل والالتزام بالقرآن وسنّة النبي (ص) ونهج أهل بيته (ع) والعلماء العاملين المجاهدين الذين أحيوا السنن وواجهوا البدع. وحذّر من الاغترار بالنعم وتحويلها إلى شعور بالأمان من العقاب، بما يفتح طريق البطر والاستدراج.
وأوضح أن الإسلام أعظم نعم الله على الإنسان، وأن إدراك هذه النعمة يقتضي محبة الله ورسوله وأهل بيته والصحابة الثابتين على نهجه وجماعة المؤمنين، وعدم الزهد بالمؤمن لفقره أو مرضه أو ضعفه، أو الانجذاب إلى قوة من يستند إلى أعداء الدين ومشاريعهم. واستحضر موقف الصحابي الجليل عمار بن ياسر وثبات قلبه بالإيمان، مؤكداً أن حقيقة الانتماء تظهر في الثبات عند الابتلاء.
واستشهد بدعاء الإمام السجاد (ع) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتباع السنن ومجانبة البدع وحياطة الإسلام، مبيناً أن حماية الدين ورعاية حرماته معيار للالتزام الحقيقي، وأن اللامبالاة بالظلم والفساد والاستعمار والإساءة إلى الإسلام تكشف ضعف الارتباط برسالته.
وتناول الاحتجاجات في فرنسا، مشيراً إلى جذورها الرافضة للفساد والانحراف، وإلى وعي الطلبة ومشاركة النقابات دفاعاً عنهم في مواجهة عنف الشرطة. وانتقد التناقض بين شعارات حقوق الإنسان وحق التظاهر وممارسات القمع، كما استنكر الإساءة إلى الحجاب، ورفض التصريحات التي حمّلت الإسلام مسؤولية الاضطرابات، معتبراً أنها تكشف استهداف الدين نفسه، لا فئة من المسلمين أو المهاجرين.
وأكد أن الاستيلاء على العراق وثرواته ودعم الكيان الصهيوني فروع لمعركة أوسع ضد الإسلام وقيمه وأخلاقه وفطرته وحمايته للإنسان والأسرة. ورفض التخلي عن قوة الإيمان أو اتخاذ الشيوعية بديلاً لمواجهة الاستعمار، مستحضراً ما ارتبط بها من قتل وسحل في العراق، ومؤكداً أن الاستعمار الغربي، وإن تظاهر بالمسيحية يمثل الخطر الأكبر على الأمة والأديان.
واستعرض شواهد من التاريخ الاستعماري، من مؤتمر لندن والحرب العالمية الأولى والاعتداءات على بلاد المسلمين، ومنها الجزائر والعراق، إلى إبادة السكان الأصليين في أميركا وضحايا الحرب العالمية الثانية وقصف هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية، منتقداً غياب الاعتراف بالجرائم والاكتراث بضحاياها. ورأى أن التدخل في العراق استهدف أيضاً منع القوى المسلمة والمخلصة من إحداث التغيير.
وتساءل عن موقف الحوزات والعتبات والمراكز العلمية ومؤسسات الفتوى في مصر وتونس والجزائر وسائر بلاد المسلمين من الإساءة إلى الإسلام، منتقداً من يثيرون الاقتتال الداخلي ويلتزمون الصمت أمامها. ودعا إلى الإصلاح بين المتقاتلين، مستشهداً بأحداث اليمن، وإدانة المعتدي والوقوف مع الحق، بدلاً من مساندة الأطراف المرتبطة بالمخططات الخارجية.
وفي سياق متصل، شدّد على أن معيار التحالف هو الموقف من الدين والأمة والاستعمار، مهما امتدت الصداقات أو الشراكات السابقة؛ فمن يواجه الاحتلال يكون حليفاً، ومن يساند مشروعه يكون موضع مواجهة، رافضاً الحياد تجاه استهداف الإسلام. واستحضر استغاثات أهل غزة وتحذيرهم من الانخداع بوقف القتال، منتقداً الاصطفافات الطائفية التي تدفع بعض المنتسبين إلى السنّة أو الشيعة للاستناد إلى أميركا تحقيقاً لمطالبهم.
ودعا إلى تقديم الرسالة الإسلامية على الانشغال بالدولار والطعام والمصالح، مستشهداً بالدعاء: «اللهم اجعلنا من المهتمين لما خلقتنا له، ولا تجعلنا من المنشغلين بما خلقته لنا». وحذّر من أن السكوت خوفاً على الأموال لا يحفظها، مستذكراً تجاراً صودرت ممتلكاتهم وهُجّروا، ثم ندموا على تجاهل تحذيرات العلماء.
وجدّد دعوته للعراقيين إلى المبادرة والاجتماع على رفض الاحتلال، مؤكداً أن المحتل لا يأتي بمشروع لمصلحة البلد، ومستحضراً إحباط بعض من انخرطوا في مساراته. وربط النشاط الجاري في المدرسة الخالصية بتاريخ مشروعها الممتد، مستذكراً حضور والده الإمام الشيخ محمد الخالصي (رض) والشيخ عبدالعزيز البدري والملا نجم الدين الواعظ(رض) ووفود الكاظمية والأعظمية، ومحذّراً من أن إهمال هذا المشروع يترك المجال لتسلط الأجنبي.
الخطبة الثانية: بناء الوعي ومساءلة القرار الاقتصادي واستمرار طريق المقاومة
أكد المرجع الخالصي أن الإسلام طريق صلاح الإنسان وخلاصه، وأن البشرية تبحث عن مرتكز للنجاة، مشيراً إلى اتساع الإقبال عليه رغم الحملات ضده، لانسجامه مع الفطرة والعقل. وتناول شمول أحكامه لحاجات الإنسان، من الطهارة وأحكام المياه وغسل الجنابة والجمعة إلى الزواج والإنجاب والموت والقبر، وما تمنحه العبادة من سكينة وقدرة على تجاوز الإحباط.
واستذكر تشييع أحد الأخوة المؤمنين الذي عاش معه عقوداً، موضحاً أن الإيمان يفسّر الموت انتقالاً إلى رحمة الله، ويوازن بين الحزن الطبيعي والتسليم لأمره. وأبدى ألمه لما تخلّفه الجرائم والنكبات من انهيار نفسي وفقدان للقدرة على التحكم بالنفس لدى بعض الضحايا، مؤكداً أهمية الرسالة الإيمانية في الثبات.
وحثّ على الدراسة والتعلم والقراءة والسؤال، وعدم انتظار الانتقال إلى مكان مخصوص، مستحضراً إقامة الدروس في المهجر، حتى في الكهوف والمناطق النائية، وتنظيمها صباحاً قبل العمل، مؤكداً أن اكتساب المعرفة الدينية متاح في مختلف الظروف.
وانتقد تبرير تخفيض قيمة الدينار بأنه المنفذ الوحيد الذي تحتاجه الدولة، واستغرب إجراء الحوار بعد التنفيذ والصدمة. وأشار إلى خبر بلغه عن عدم علم وزير المالية بالقرار، متسائلاً عمّن يتخذه فعلياً، ومستحضراً روايات عن جهل كبار القادة بقرار دخول الكويت، وحادثة اعتقال شيخ عشائري تبرأ المسؤولون جميعاً من معرفتها، للدلالة على غياب المسؤولية ووضوح مصدر القرار.

وتساءل عن دور واشنطن والمشاريع الصهيونية والماسونية في التحكم بالقرارات، وعن موقف من يدّعون الدفاع عن العراق، داعياً إلى مواجهة هذا المسار ومنع استمراره لما يحمله، في تقديره، من مخاطر على البلد والشعب والأمة.

وختم بتحية ودعاء للمجاهدين في فلسطين ولبنان واليمن، مؤكداً أن التراجع المرحلي لا يوقف المسيرة، ومستحضراً تعاقب بدر وأُحد والخندق وصولاً إلى فتح مكة، ومعبّراً عن ثقته باستمرار الطريق نحو تحرير القدس وعودة الأمة إلى دينها ورسالتها، داعياً إلى وحدة كلمتها وإصلاح ذات بينها، والرحمة للشهداء والأموات والشفاء للمرضى والجرحى.
