عربي

العلامة الخطيب: الحوار مسؤولية وطنية ومسؤولية الحكومة أولاً.

 

 

نبيل الشريف

 

تأتي دعوة العلامة الشيخ علي الخطيب إلى حوار عاجل بين الحكومة والحركة النقابية لتصحيح الوضع المعيشي في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، ومن المناكفات السياسية إلى تحمل المسؤوليات.

فالواقع المعيشي لم يعد قضية مطلبية تخص فئة أو قطاعاً بعينه، بل أصبح قضية وطنية تمس غالبية اللبنانيين، وتحتاج إلى قرار سياسي واضح، وإلى حكومة تدرك أن حماية الاستقرار الاجتماعي جزء أساسي من مسؤوليتها في إدارة الدولة.

 

وهنا يجب أن تكون المسؤولية السياسية للحكومة واضحة ومباشرة.

فالحكومة ليست طرفاً عادياً في الأزمة المعيشية، وليست جهة تكتفي بالاستماع إلى المطالب أو تسجيل المواقف، بل هي السلطة التنفيذية التي تمتلك أدوات القرار، وعليها أن تضع الوضع المعيشي في صدارة جدول أعمالها، وأن تقدم للناس سياسات واضحة ومواعيد وآليات قابلة للقياس والتنفيذ.

 

إن معالجة الأجور والقدرة الشرائية والأسعار والضمانات الاجتماعية وظروف العمل ليست ملفات يمكن تركها للتفاوض المفتوح إلى ما لا نهاية، لأن استمرار التدهور المعيشي ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي، وعلى الثقة بالدولة ومؤسساتها.

 

ومن هنا فإن الحوار بين الحكومة والحركة النقابية يجب ألا يكون مجرد لقاء لامتصاص الاحتقان أو تأجيل المطالب، بل يجب أن يكون حواراً سياسياً واقتصادياً جدياً، تخرج منه قرارات واضحة تتحمل الحكومة مسؤولية تنفيذها ومتابعتها.

 

وفي المقابل، فإن الحركة النقابية تملك حق الدفاع عن حقوق العمال والموظفين، وحق المطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية، لكن هذا الحق ينبغي أن يمارس ضمن رؤية مسؤولة تراعي واقع الاقتصاد وقدرات الدولة ومصلحة القطاعات الإنتاجية.

 

أما الحكومة، فلا تستطيع أن تطلب من المواطن المزيد من الصبر، ومن الموظف المزيد من التضحية، ومن العامل المزيد من التحمل، من دون أن تقدم في المقابل سياسات واضحة وحلولاً واقعية.

 

الحكومة مسؤولة عن القرار، ومسؤولة عن النتائج، ومسؤولة أيضاً عن شرح ما تستطيع فعله وما لا تستطيع فعله.

 

وهذا يعني أن المسؤولية السياسية لا تنتهي عند إصدار القرارات، بل تبدأ من تحديد الأولويات، وإدارة الموارد، ومواجهة مكامن الخلل، ومصارحة الناس بالحقائق، ومحاسبة الجهات المقصّرة، ومنع تحميل المواطن وحده كلفة الأزمات المتراكمة.

كما أن الحكومة مطالبة بأن تجعل الحوار مع الحركة النقابية جزءاً من سياسة اجتماعية مستمرة، لا ردة فعل على إضراب أو احتجاج أو تصعيد في الشارع.

 

فالدولة القادرة على الاستماع قبل انفجار الأزمة تكون أكثر قدرة على حماية الاستقرار من دولة لا تتحرك إلا بعد تفاقمها.

 

وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها.

 

فهناك مسؤولية على القوى السياسية في تخفيف الاحتقان، وتقديم المصلحة الوطنية على المناكفات، وفتح الطريق أمام الحلول، ومسؤولية على النقابات في تنظيم المطالب والدفاع عنها، ومسؤولية على الإعلام في نقل الواقع كما هو بعيداً عن التحريض والمزايدات.

 

وهنا تبرز خطورة الخطاب السياسي والإعلامي الذي يزيد الانقسام أو يحوّل المطالب الاجتماعية إلى صراع بين المكونات.

 

فمن حق أي جهة أن تنتقد الحكومة وأداء المسؤولين وأي شخصية سياسية أو دينية أو وطنية، لكن النقد يجب أن يبقى نقداً للقرار والأداء والسياسة، لا أن يتحول إلى إلغاء للآخر أو إسقاط صفاته الدينية والوطنية أو التشكيك في انتمائه.

 

إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى مؤسسات تتحمل مسؤولياتها.

 

والحكومة، بحكم موقعها التنفيذي، تتحمل المسؤولية الأولى في تحويل الحديث عن معالجة الوضع المعيشي إلى خطة عمل واضحة، لأن بقاء الأزمة بلا حلول فعلية لا يبقيها أزمة اقتصادية فقط، بل يمكن أن يحولها إلى أزمة اجتماعية وسياسية تهدد الاستقرار.

 

لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تعمل؛ المطلوب أن يعرف المواطن ماذا ستفعل، ومتى ستفعل، وكيف ستنفذ، ومن يتحمل مسؤولية النتائج.

 

فالدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها في الظروف الصعبة، وبقدرتها على تحويل الحوار إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج.

ولهذا فإن دعوة العلامة الخطيب إلى الحوار بين الحكومة والحركة النقابية ينبغي أن تكون مدخلاً إلى مسؤولية سياسية أوسع: مسؤولية الحكومة عن معالجة الوضع المعيشي، ومسؤولية القوى السياسية عن تخفيف الانقسام وفتح أبواب الحلول، ومسؤولية النقابات عن الدفاع المسؤول عن حقوق الناس، ومسؤولية الإعلام عن حماية السلم الأهلي.

 

الحوار ليس بديلاً عن القرار، والمطالب ليست بديلاً عن مسؤولية الحكومة، والوعود ليست بديلاً عن النتائج.

 

لبنان يحتاج اليوم إلى حكومة تتحمل مسؤوليتها السياسية كاملة، وتضع الإنسان في قلب سياساتها، وتتعامل مع الوضع المعيشي باعتباره قضية دولة لا قضية فئة، لأن حماية كرامة المواطن واستقرار المجتمع ليستا تفصيلاً في العمل الحكومي، بل من صميم وظيفة الدولة ومسؤوليتها الوطنية.

 

         نبيل الشريف


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة