الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها لجنة أهالي القرى المحتلة والمتضررة في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لم تكن مجرد تحرك احتجاجي، بل وضعت قضية أساسية أمام الرأي العام اللبناني: أهالٍ يريدون العودة إلى قراهم، وأراضٍ لبنانية ما زالت واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
حضور العلامة الشيخ علي الخطيب إلى جانب الأهالي، والكلمة التي ألقاها، أعطيا التحرك بعداً سياسياً واضحاً. فقد طالب المسؤولين بتحمل مسؤولياتهم، وانتقد اختزال حضور الدولة في زيارات ومواقف إعلامية، مؤكداً أن المطلوب إجراءات حقيقية تجاه الجنوب وأهله.
وهذه نقطة جوهرية. فالزيارة الرسمية لا تنهي احتلالاً، ولا تعيد نازحاً إلى منزله، ولا تمنع تدمير قرية. المطلوب أن يتحول ملف الجنوب إلى سياسة وطنية مستمرة تستخدم فيها الدولة اللبنانية أدواتها الدستورية والدبلوماسية والقانونية للدفاع عن سيادتها وحقوق مواطنيها.
دور المجلس

هنا يجب التمييز بوضوح بين مسؤولية الدولة ودور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
المجلس ليس سلطة تنفيذية أو تشريعية أو عسكرية، ولا يحل محل مؤسسات الدولة. لكن موقعه كمرجعية دينية ووطنية واجتماعية يمنحه مسؤولية واضحة تجاه أبناء الطائفة: احتضان مطالبهم، الدفاع عن حقوقهم، نقل صوتهم إلى الدولة، ومتابعة قضاياهم مع المرجعيات العربية والإسلامية.
ومن خلال استضافة أهالي القرى المحتلة والمتضررة، يقوم المجلس بهذا الدور بصورة مباشرة. فهو لا يتخذ القرار بدلاً من الدولة، وإنما يضع مطالب المواطنين أمامها ويطالبها بممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها.
وهذا هو الدور الذي ينبغي الحفاظ عليه: المجلس شريك في حمل القضية مجتمعياً ووطنياً، وليس بديلاً عن الدولة في اتخاذ القرار.
الجنوب قضية لبنانية
لا يجوز اختزال قضية القرى المحتلة والمتضررة في الانقسام الطائفي أو الحزبي. الخيام وكفركلا والعديسة وحولا وميس الجبل وغيرها قرى لبنانية، وسكانها مواطنون لبنانيون.
لذلك فإن حقهم في العودة ليس مطلباً فئوياً، بل مسألة تتصل بالسيادة اللبنانية وحقوق المواطنين.
ومن هنا تأتي أهمية أن يتحدث المجلس عن الجنوب باعتباره قضية وطنية، وأن يخاطب في الوقت نفسه العرب والمسلمين لدعم حق لبنان، من دون أن يحوّل ذلك إلى بديل عن مسؤولية الدولة اللبنانية.
رسالة الخطيب
عندما قال العلامة الشيخ علي الخطيب: «لن يحرر الجنوب إلا سواعد أبنائكم»، كان يؤكد أن تمسك أبناء الجنوب بأرضهم عنصر أساسي في مواجهة الاحتلال ورفض تحويله إلى أمر واقع.
لكن هذا الموقف لا يلغي دور الدولة؛ بل يضع أمامها مسؤوليتها.
فالأهالي يتمسكون بأرضهم، والمجلس يحمل مطالبهم، والدولة تملك الأدوات الدستورية والسياسية والدبلوماسية والقانونية لمعالجة القضية.
المشكلة تبدأ عندما يتخلى أي طرف عن دوره أو يحاول طرف أن يحمل أعباء الآخرين.
من المسؤولية إلى الفعل
المطلوب من الدولة اللبنانية أن تتعامل مع القرى المحتلة والمتضررة كملف وطني دائم، لا كمناسبة موسمية. عليها متابعة أوضاع الأهالي، توثيق الأضرار، تثبيت حقهم في العودة، ومتابعة قضية الاحتلال والاعتداءات عبر المؤسسات اللبنانية والمرجعيات الدولية.
والمطلوب من المجلس أن يستمر في حمل صوت الأهالي، والدفاع عن حقوقهم، وتوسيع دائرة التضامن معهم، وأن يبقى مساحة تجمع ولا تزيد الانقسام.
أما الأهالي، فحقهم أن يتمسكوا بأرضهم وأن يطالبوا الدولة وكل المؤسسات المعنية بالقيام بواجباتها.
الخلاصة
المعادلة واضحة:
الدولة مسؤولة عن القرار والسياسة الرسمية وحماية السيادة.
المجلس مسؤول عن حمل مطالب أهله والدفاع عنها ورفعها إلى الداخل والخارج.
وأهالي القرى المحتلة أصحاب الحق المباشر في العودة إلى أرضهم.
بهذا التمييز يصبح موقف الشيخ علي الخطيب أكثر وضوحاً: فهو لا يطرح المجلس بديلاً عن الدولة، وإنما يطالب الدولة بأن تقوم بدورها، ويؤكد أن قضية الجنوب لا يمكن أن تُدار باعتبارها ملفاً ثانوياً.
والأهم أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، عندما يدافع عن حقوق أبناء الجنوب، لا ينبغي أن يُحاصر داخل إطار طائفي ضيق؛ فموقفه يمكن أن يكون صوتاً لكل أحرار وشرفاء لبنان الذين يرون في السيادة وحقوق المواطنين قضايا وطنية جامعة.
الجنوب ليس ورقة تفاوض، والاحتلال ليس أمراً واقعاً ينبغي التسليم به، وحق الأهالي في العودة ليس موضوعاً للمساومة.
المطلوب من الدولة فعلٌ يوازي مسؤوليتها، ومن المجلس استمرارٌ في حمل القضية، ومن الجميع إبقاء حق لبنان في أرضه وحق أهله في العودة فوق الحسابات السياسية الضيقة.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»