عربي

من قم إلى مشهد... العلامة الخطيب يضع العالم الإسلامي أمام مسؤولياته.

 

 

كتب / سعيد فارس السعيد :

 

لم يعد الجنوب اللبناني يحتمل المزيد من البيانات، ولا المزيد من عبارات التضامن التي تنتهي بانتهاء المؤتمرات.

 

هناك أرض تُحتل، وبيوت ومؤسسات ومزارع تضررت، وأهالٍ نزحوا من مناطقهم، ومواطنون تعطلت أعمالهم ومصادر رزقهم، فيما تتواصل الاعتداءات ويستمر الاحتلال.

 

وفي المقابل، لا يزال العالم العربي والإسلامي يتحدث كثيراً عن الوحدة والتضامن والدفاع عن القضايا العادلة.

 

وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:

 

__ماذا يعني التضامن إذا لم يتحول إلى فعل؟

 

__وماذا تعني الوحدة الإسلامية إذا لم يشعر بها الإنسان اللبناني في محنته؟

 

__الخطيب ينقل الحقيقة من الجنوب إلى قم

 

زيارة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، إلى قم ولقاؤه آية الله علي رضا أعرافي، ثم انتقاله إلى مشهد للمشاركة في الجلسة الختامية للمؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية، لم تكن زيارة بروتوكولية.

لقد حمل العلامة الخطيب صوت الجنوب ومعاناة أهله، ووضع أمام المرجعيات والمؤسسات الدينية حقيقة ما يجري على الأرض: 

الاحتلال، والاعتداءات، 

والنزوح، 

والأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية، وتعطيل المؤسسات والأعمال ومصادر الرزق.

 

وهذه رسالة في غاية الأهمية.

فبدلاً من أن تبقى قضية الجنوب محصورة في الداخل اللبناني، يتم نقلها إلى أوسع فضاء إسلامي، حيث يجب أن تتحول المعاناة اللبنانية إلى قضية تضامن ومسؤولية وفعل.

 

___كفى شعارات.

 

لقد سمعنا طوال عقود شعارات كثيرة عن الوحدة الإسلامية، والتضامن العربي، ونصرة المظلومين.

لكن الشعوب لا تعيش على الشعارات.

 

الشعوب تحتاج إلى الغذاء والدواء والمأوى والعمل والإعمار، والدول تحتاج إلى مواقف سياسية ودبلوماسية واقتصادية تحمي مصالحها وسيادتها.

 

ولهذا فإن المطلوب من الدول العربية والإسلامية ليس إصدار بيان جديد، 

 

بل تشكيل آليات عملية لدعم لبنان والجنوب.

 

___المطلوب صندوق عربي وإسلامي لإغاثة المتضررين والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المنكوبة.

 

___المطلوب تحرك دبلوماسي وقانوني جاد للدفاع عن سيادة لبنان وحقوقه.

 

___المطلوب دعم المؤسسات اللبنانية الشرعية كي تتمكن من القيام بمسؤولياتها.

 

__والمطلوب قبل كل شيء ألا يتحول الاحتلال والدمار إلى واقع طبيعي يتعايش معه العالم وكأنه قدر لا يمكن تغييره.

 

وكلمة أعرافي يجب أن تتحول إلى فعل

 

إن الموقف الذي عبّر عنه آية الله علي رضا أعرافي، لناحية الوقوف إلى جانب لبنان والدعوة إلى دعمه ومساعدته، وخصوصاً مالياً، ينبغي أن يُترجم إلى خطوات عملية.

 

فالجنوب يحتاج إلى من يقف معه عندما يدفع ثمن الحرب، وإلى من يساعد أهله عندما يخسرون منازلهم وأعمالهم وأرزاقهم.

 

وإذا كانت الوحدة الإسلامية عنوان المؤتمر، فإن الجنوب اللبناني يجب أن يكون أحد ميادين اختبار هذه الوحدة على أرض الواقع.

 

المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أمام دور تاريخي

 

في هذه المرحلة، يبرز دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بصورة أكبر من أي وقت مضى.

 

فالمجلس ليس مجرد مرجعية دينية لطائفة لبنانية، بل مؤسسة وطنية دينية وفكرية واجتماعية، تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في إيصال صوت لبنان إلى العالم العربي والإسلامي، وفتح قنوات التواصل والحوار والتعاون مع المرجعيات والمؤسسات الدينية والفكرية والإنسانية.

 

والعلامة الخطيب، من خلال جولته في قم ومشهد، يرسخ هذا الدور، ويؤكد أن الدفاع عن الإنسان اللبناني وعن الجنوب وأهله يمكن أن يكون جزءاً من رسالة وطنية وإسلامية جامعة.

 

لكن المرحلة المقبلة تتطلب أكثر.

___تتطلب تحويل العلاقات واللقاءات إلى مشاريع.

 

__وتحويل التضامن إلى مساعدات.

__وتحويل المؤتمرات إلى قرارات.

__وتحويل الكلمات إلى أفعال.

 

والرسالة الواضحة 

إلى العالم العربي والإسلامي: 

___لا تتركوا لبنان وحده.

 

إن ترك لبنان يواجه وحده تداعيات الاحتلال والدمار والأزمة الاقتصادية والاجتماعية ليس موقفاً محايداً.

 

إنه في النهاية يترك شعباً كاملاً أمام أعبائه.

 

ولذلك فإن الرسالة التي يحملها العلامة الخطيب من الجنوب إلى قم ومشهد، ثم إلى النجف الأشرف..، 

 

ومن النجف الأشرف إلى كل العواصم العربية والإسلامية، هي رسالة واضحة لا تحتمل التأويل:

___لبنان بحاجة إلى دعمكم اليوم، وليس غداً.

والجنوب بحاجة إلى فعلٍ حقيقي، وليس إلى بيان تضامن جديد.

إن دعم لبنان لا يعني التدخل في قراره الوطني، ولا يعني مصادرة قراره السياسي، بل يعني الوقوف إلى جانب شعبه ومؤسساته، ومساعدته على حماية سيادته، ودعم صموده، وإعادة بناء ما دمرته الاعتداءات.

 

إن انتقال العلامة الخطيب من قم إلى مشهد، ومنهما إلى النجف الأشرف، ثم مخاطبة العواصم العربية والإسلامية، يحمل معنى يتجاوز حدود الزيارة الدينية؛

 

 فهو يؤسس لمسار من التواصل مع المرجعيات والمؤسسات الإسلامية، بهدف وضع قضية لبنان والجنوب أمام أصحاب القرار، وتحويل التضامن من موقف معنوي إلى مسؤولية عملية وسياسية وإنسانية.

 

_>_فالجنوب لا يريد أن يكون مجرد بند في بيانات المؤتمرات، ولبنان لا يريد أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

 

___لبنان يريد أن يكون دولة مصانة السيادة، 

 

__والجنوب يريد أن يعيش على أرضه آمناً عزيزاً، وأهله يريدون العودة إلى بيوتهم وأعمالهم وأرزاقهم.

 

___الوحدة التي يحتاجها لبنان

 

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، ولا يحتاج إلى تحويل الطوائف إلى جزر سياسية متصارعة.

 

إن ما يحتاجه هو وحدة وطنية حقيقية، ودولة قوية، ومؤسسات فاعلة، وتضامن عربي وإسلامي صادق، وموقف دولي يمنع استمرار الاحتلال والاعتداءات.

 

ومن هنا، فإن رسالة العلامة الخطيب تتجاوز الجنوب والطائفة والمذهب.

 

___إنها رسالة تقول إن الإنسان عندما يتعرض للتهجير والدمار لا يسأل عن هوية من جاء لنجدته، بل يسأل:

من يقف معنا؟

 

واليوم، وبعد أن حمل العلامة الخطيب وجع الجنوب من لبنان إلى قم ومشهد، ثم يتجه إلى النجف الأشرف، لم تعد المسؤولية على عاتق لبنان وحده.

 

لقد وصلت الرسالة.

والآن يبدأ الامتحان الحقيقي.

 

فإما أن تكون الوحدة الإسلامية قوة فعل ومسؤولية وتضامن، وإما أن تبقى مجرد عنوان جميل يتكرر كل عام في المؤتمرات.

 

___كفى بيانات...

فالجنوب يريد فعلاً.

ولبنان يريد دعماً.

والإنسان اللبناني يريد أن يشعر أن العالم العربي والإسلامي لم يتخلَّ عنه.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل.

صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة