عربي

سقوط الكهنة

كتب رياض الفرطوسي لم تنتهِ الثقافة. الذي انتهى هو ادعاء الوصاية عليها.الضجيج الذي يملأ الفضاء ليس دليلاً على موت الفكر، بل على انكشاف أقنعته. ما نراه اليوم ليس “نهاية المثقف” بقدر ما هو نهاية صورة قديمة له: المثقف–الداعية، المثقف–الكاهن، المثقف الذي يتكلم باسم التاريخ ويوقّع باسم المستقبل ويحتكر مفاتيح الخلاص.الفرق بين المثقف والمفكر ليس تفصيلاً لغوياً. المثقف غالباً ناقلٌ ماهر، يجيد تركيب الأسئلة الدارجة وإعادة تدويرها بلغة أنيقة. أما المفكر فصانع أسئلة. يربك الطمأنينة العامة، يحفر تحت المسلّمات، ويأتي متأخراً دائماً لأن عمله يحتاج مسافة ووقتاً وتروّياً. الصحفي يعلن الحدث، والمحلل يفسره، أما المفكر فيعيد تعريفه بعد أن يهدأ الغبار.لكن ما حدث في العقود الأخيرة قلب الطاولة.انفجرت المنصات. سقط الاحتكار. صار في وسع أي شخص أن يفتح نافذة ويخاطب العالم من غرفة نومه. من جهة، هذه ديمقراطية ثقافية غير مسبوقة. لم تعد الكلمة حكراً على نخبة تتبادل الأدوار في الصحف والمنابر. ومن جهة أخرى، حين تصبح الممارسة بلا ضوابط، تتآكل الهيبة. كل مهنة بلا تنظيم تفقد وقارها. الطبيب لا يُمنح شرعيته لأنه يملك سماعة، بل لأن المجتمع يعترف له باختصاصه. أما الثقافة، فقد تحولت إلى حقل مباح: الكل يتكلم، والقليل يفكر.هنا بدأت سيادة السطحية.ليس لأن الناس صارت أقل ذكاءً، بل لأن الإيقاع تسارع، ولأن السوق صار أقوى من الفكرة. في زمن الأيديولوجيا، كان المثقف الداعية يعيش على سردية كبرى: الأمة، الطبقة، الثورة، الخلاص. كان يفسر الكون من زاوية واحدة، ويصنف البشر بين طاهر ومدنس، تقدمي ورجعي، مؤمن وكافر. كان خطابه صارماً، حاداً، ويمنح أتباعه شعوراً باليقين.ثم انهارت الحكايات الكبرى.الدولة العربية أفلس مشروعها، فاستغنت عن المثقف المبرر، واكتفت بالجنرال والشرطي. الحزب المعارض تآكلت روايته، فتحول من حامل مشروع إلى باحث عن تمويل. لم يعد يحتاج إلى منظّر يكتب البيان الأول، بل إلى شريك استثماري يضمن البقاء. وهكذا وجد المثقف الداعية نفسه فائضاً عن الحاجة.بعضهم انقلب على لغته القديمة كما يُقلب معطف شتوي ثقيل في عزّ الصيف. العدو صار صديقاً، والرجعي حليفاً، والظلامي شريكاً. آخرون لجأوا إلى الأدب، لكنهم حملوا معهم قاموس التحريض إلى حقل يفترض أن يكون حقل جمال. فحوّلوا الكتابة إلى منشور، والقصيدة إلى بيان. وهناك من بقي عالقاً في ألبوم الذكريات، يعيش على صور “أيام النضال” كأنها وسام تقاعد مبكر.المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الذين ملأوا الساحات صراخاً باسم الحقيقة المطلقة، انتهوا إلى ببغاوات في أقفاص جديدة: قناة فضائية هنا، مؤسسة ممولة هناك، أو حزب تحول إلى شركة مساهمة. تراجيديا مشوبة بسخرية لاذعة.لكن لا تفرحوا كثيراً بسقوطهم. المشكلة أعمق من أشخاص.نحن أمام انتقال تاريخي من زمن الأيديولوجيا إلى زمن المعرفة المتخصصة. لم يعد ممكناً تفسير كل شيء بالسياسة. هناك علم نفس، وعلوم أعصاب، واقتصاد رقمي، وبيئة، وذكاء اصطناعي. العالم تعقد، بينما بقي بعض المثقفين يختزلونه في شعار. الجمهور الجديد لم يعد يبتلع الخطاب الشمولي. يختبر، يقارن، يشكك، ويغادر الصفحة بضغطة إصبع إن شعر بالملل.جيل اليوم لا يريد واعظاً، بل محاوراً. لا يريد من يلقنه، بل من يعترف بجهله معه.لهذا فإن “نهاية المثقف” ليست قدراً، بل نهاية نموذج متضخم. المثقف الذي يتوهم أنه وصيّ على العقول سيسقط. أما المثقف النقدي، الذي ينتج معرفة جديدة، يدخل المناطق المحرمة، ويقبل أن يُسائل قبل أن يُسائل، فدوره يتجدد.المستقبل ليس للداعية، بل للباحث. ليس للشتّام، بل للمحلل. ليس لمن يملك أجوبة جاهزة، بل لمن يملك شجاعة السؤال.ماذا نفعل؟إعادة تعريف الشرعية الثقافيةالشرعية لا تُمنح بالصراخ ولا بعدد المتابعين، بل بعمق الإنتاج. نحتاج معايير مهنية واضحة في الحقول الثقافية، كما في الطب والقانون: تخصص، مراجعة، نقد، ومساءلة.الانتقال من الأيديولوجيا إلى المعرفةبناء منصات تشجع البحث الرصين، والترجمة، والدراسات العابرة للتخصصات. زمن البيان انتهى؛ زمن المختبر بدأ.تعليم مهارة السؤال لا تلقين الجوابفي المدرسة والجامعة والإعلام. أخطر ما ورثناه هو عقل يبحث عن يقين سريع. يجب أن نُدرّب الأجيال على الشك المنهجي، لا على الطاعة الفكرية.جسر الفجوة مع الأجيال الجديدةلا يكفي أن نشتكي من لغتهم. يجب أن نتعلمها دون أن نستسلم لسطحيتها. الفكر العميق لا يعني لغة معقدة، بل وضوحاً لا يخون التعقيد.فصل الثقافة عن الوظيفة الحزبيةالمثقف الذي يعيش ملحقاً بحزب سيسقط بسقوطه. استقلالية التمويل والقرار شرط لبقاء الصوت حراً.إحياء قيمة التخصص دون إلغاء الحق في التعبيرالجميع من حقه أن يتكلم، لكن ليس كل كلام معرفة. الفرق بين الرأي والمعرفة يجب أن يبقى واضحاً.في النهاية، لا نخاف على الثقافة من كثرة المتكلمين، بل من قلة المفكرين.ولا نخاف على الحقيقة من الأسئلة، بل من الكهنة.السطحية مرحلة عابرة إذا واجهناها بعمق لا بضجيج.أما من اعتاد المنبر العالي، فعليه أن يتعلم المشي بين الناس… أو يعتزل المسرح بهدوء.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة